ظل الحوار العالمي حول الأمن النووي، لعقود خلت، رهيناً لمقولة مكشوفة مفادها أن الأمن الحقيقي لا يُشترى إلا بالتهديد بالدمار الشامل. ولطالما كرست النظرية الواقعية أن عقيدة «التدمير المتبادل المؤكد» التي سادت إبان الحرب الباردة هي الضامن الأخير للاستقرار العالمي، وهي معادلة مرعبة لا يُحفظ فيها السلام بالنوايا الحسنة، بل بالخشية المشتركة من الفناء المتبادل.
غير أنه مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتفاقم المخاطر النووية إلى مستويات لم تشهدها الأجيال الحالية، أضحت هذه الرؤية أقرب إلى الفخ الموقوت منها إلى الدرع الواقية. إن فن الحكم الراسخ يتطلب طموحاً أسمى. يتطلب منا التسامي فوق توازن الرعب والعودة إلى مبدأ أقدم وأكثر شجاعة: أن الأمن القائم على القدرة على الإبادة العشوائية أمنٌ هشٌ بطبعه.
قبل ما يناهز قرناً من الزمان، كانت صفارات الإنذار قد بدأت بالدوي بالفعل، حتى إن العقول الفذة التي كشفت أسرار الذرة كانت أول من أدرك أخطارها الوجودية المرعبة. وعندما أصدر ألبرت أينشتاين والفيلسوف برتراند راسل بيانهما التاريخي عام 1955 في فجر العصر الثرمونووي، وجها تحدياً صارخاً وخالداً للإنسانية. وأمام احتمال الفناء الشامل، حث أينشتاين بمقولته الشهيرة على أنه «يتوجب علينا أن نتعلم التفكير بطريقة جديدة»، متوجهاً إلى قادة العالم بتذكيرهم بأن واجبهم الأساسي لم يعد تحقيق النصر لدولة بمفردها، بل ضمان البقاء الفعلي للجنس البشري.
إن هذا النداء الفلسفي للعمل غالباً ما يُغفل عنه اليوم في أروقة السلطة ومراكز القرار، لكنه يظل حياً ونابضاً في صلب الهندسة الاستراتيجية للسياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة. فمنذ تأسيسها، حملت الدولة راية الحل السلمي للنزاعات، وكما عبّر الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بطريقة جامعة، فإن السياسة الخارجية للدولة قائمة على العدالة، والحل السلمي للنزاعات، و«الرفض القاطع لجميع أسلحة الدمار الشامل التي تهدد الإنسانية».
هذه الفلسفة التأسيسية ليست مجرد إرثٍ ساكنٍ في طيات الماضي، بل هي مخطط عملي ناهض ومستمر. ففي مناقشات اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وضعت الإمارات هذا المبدأ مجدداً في الصدارة، مجددة قناعتها الراسخة بأن الضمان الوحيد المطلق ضد استخدام أسلحة الدمار الشامل أو التهديد بها هو إزالتها الكاملة.
إن تفكيك فلسفة إخلاء العالم من أسلحة الدمار الشامل يقتضي أولاً إسقاط وهمين رئيسيين لطالما أعاقا مسار الدبلوماسية الدولية:
الوهم الأول، هو تلك المقولة المترسخة زوراً التي تروّجها الدول الساعية لبسط هيمنتها، إذ تتخذ من ذريعة الأمن مبرراً لنفسها لامتلاك أسلحة الدمار الشامل في طريقها نحو التفرد بالزعامة، مفترضةً أن المكانة العالمية والبقاء الوطني لا يتحققان إلا بالقدرة على التدمير الشامل.
هنا يقدم نموذج دولة الإمارات تفنيداً عملياً لهذا المنطق. فبدلاً من بناء النفوذ عبر التهديد والسيطرة، أرست الإمارات قوتها الاستراتيجية على أسس الدبلوماسية الفاعلة، وحفظ السلام البنّاء، والشراكة الإقليمية. وللبرهنة على أن الدولة قادرة على بلوغ أسمى مراتب التحديث دون تجاوز المحظور النووي، ترجمت الإمارات رؤيتها واقعاً ملموساً من خلال «محطات براكة» للطاقة النظيفة، إذ يُعد هذا البرنامج النووي السلمي الرائد الشاهد الأبرز على أن التحديث العلمي والتنمية المستدامة يمكن أن يتناغما بانسياب تام مع أقصى معايير الشفافية وعدم الانتشار.
وبدلاً من الاختباء خلف التهديد بالدمار الشامل لفرض السلام، اختارت الإمارات طريق المسؤولية الصارمة والامتثال التام، فصادقت على اتفاقية الضمانات الشاملة وبروتوكولها الإضافي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ووقعت «الاتفاقية 123» مع الولايات المتحدة، متنازلة طوعاً عن تخصيب اليورانيوم محلياً ومعالجة الوقود المستهلك.
لتؤكد بذلك حقيقة ساطعة: أن السيادة الوطنية والأمن المستدام لا يحتاجان البتة إلى أسلحة دمار شامل. فالقوة الدفاعية التقليدية واليقظة الاستراتيجية لحماية الوطن يختلفان تماماً عن السعي وراء أسلحة الإبادة. وفنون الحكم الراسخة تثبت أن الدولة قادرة على صيانة قدرات دفاعية كفيلة بحماية حدودها وشعبها من أي عدوان، مع بقائها ثابتة على رفضها المطلق لظلال أسلحة الدمار الشامل الكارثية.
والوهم الثاني، هو القناعة القاصرة بأن الاستقرار الإقليمي يتأتى من خلال سباق التسلح أو المواجهات النووية الهشة. وفي المحافل الدولية، تواصل الإمارات دعوة المجتمع الدولي إلى إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، وهي رؤية تتطلب عملاً متعدد الأطراف، والتزاماً بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وبناء ثقة دبلوماسية عميقة.
ولفهم أسباب أهمية هذا النموذج اليوم، يتعين علينا النظر بتمعن في الطبيعة المتغيرة للنزاعات الحديثة وأمن الدول، إذ نشأت نظريات الردع التقليدية في ظل نظام عالمي ثنائي القطبية لم يعد له وجود اليوم. أما الآن، فتتقاطع أخطار الانتشار النووي مع الثغرات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، وعدم الاستقرار الناجم عن الحروب بالوكالة، ما يضاعف من خطر الحسابات الخاطئة الكارثية. وفي هذا المشهد المعقد والهش، لم يعد الاحتفاظ بترسانات نووية ضخمة صمام أمان لاستقرار العالم، بل أضحى قنبلة موقوتة.
إن الفلسفة التي تتبناها الإمارات تعيد صياغة مفهوم أمن الدولة بعيداً عن الخوف ونحو المرونة والمنعة. ولا تُقاس المرونة الحقيقية بمدى قدرة الدولة على التدمير ضد جيرانها، بل بقدرتها على تعزيز التنمية المستدامة، وبناء الثقة الدبلوماسية، وإقامة التحالفات التعاونية. وعندما تستثمر الدول مواردها وعقولها في الطاقة النظيفة، والابتكار العلمي، والتكامل الإقليمي بدلاً من الترسانات الذرية، فإنها ترتقي بمكانتها وبالأمن الجماعي للبشرية جمعاء.
في النهاية، يبدو الخيار أمام قادة العالم واضحاً وجلياً: إما أن نستمر في طريق الحتمية النووية المظلم، مكتفين بقبول سيف «داموكليس» المسلط فوق رؤوسنا كأمر واقع في السياسة الدولية، أو أن نتحلى بشجاعة الموقف التي جسدتها دولة مثل الإمارات، وطالبت بها عقول فذة مثل أينشتاين منذ عقود.
إن إخلاء العالم من أسلحة الدمار الشامل ليس حُلماً يوتوبياً لزمن بعيد، بل هو ضرورة ملحة وعملية لعصرنا الحاضر. ببرهنتها على أن السيادة والريادة لا تُستمدان من ترسانات الفناء، بل من القوة القائمة على السلام، تقدم الإمارات البوصلة الأخلاقية والعملية التي يحتاج إليها العالم للابتعاد عن الهاوية واختيار السلام في نهاية المطاف.
