صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عائشة عبدالله تريم
​رئيس تحرير صحيفة Gulf Today الإماراتية
أحدث مقالات عائشة عبدالله تريم
1 أبريل 2026
من التصعيد إلى العزلة.. إيران في عالم يعيد رسم توازنه

لم يستغرق الأمر أكثر من شهر حتى تحولت الحرب «الأمريكية–الإسرائيلية» الإيرانية إلى انهيار متدحرج. وما بدأ كصراع محدود سرعان ما تمدد ليصبح عامل اضطراب واسع النطاق، لا يهدد الإقليم فحسب، بل يضع النظام الدولي بأسره تحت ضغط غير مسبوق. وكانت دول الخليج أول من تلقى ضربات الغضب الإيراني غير القانوني وغير المبرر، غضبٌ تجاهل مسارات الدبلوماسية كافة، وانقلب على دول الجوار التي كانت الأكثر إصراراً على التهدئة وخفض التصعيد، لتجد نفسها فجأة في قلب دائرة الاستهداف المباشر بعدوان غاشم واعتداءات سافرة بالصواريخ والمسيرات ليلاً ونهاراً.
تُصرّ إيران على أنها لم تبدأ الحرب، غير أن ذلك لا يشكّل بأي حال إعلاناً ببراءتها أو تبريراً لسلوكها المنفلت. فالتاريخ لا يعترف ببراءة العدوان، ولا يقبل سرديات الضحية حين تتناقض مع الوقائع. لا حرب تنشأ من فراغ، بل من تراكم أخطاء وسوء تقدير، ومن فرص ضائعة، حتى تجد الدول نفسها محاصرة بخيارات محدودة، فتندفع نحو الخيار الأكثر كلفة. وإيران اليوم لا يمكنها أن تطالب العالم بالتعاطف، وهي تتنصل من مسؤولية سياساتها التي أوصلتها إلى هذه اللحظة.
لقد أخفقت الحكومة الإيرانية في إدارة ملف المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة، وحشرت نفسها في زاوية ضيقة لا مجال فيها للمناورة. ولم يكن ذلك مجرد تعثر دبلوماسي، بل تعبير عن رؤية سياسية قصيرة الأمد، افتقرت إلى القدرة على قراءة التحولات الكبرى في موازين القوى. فنجاح أي نظام سياسي واستمراريته لا يقاسان بقدرته على التصعيد، بل بقدرته على إدارة الأزمات وتفاديها، ووضع أمن شعبه فوق أي اعتبارات أيديولوجية أو حسابات ضيقة. ومن هذا المنطلق، فإن ما تواجهه إيران اليوم ليس إلا نتيجة مباشرة لفشلها في إدارة ملفها الخارجي بحكمة ومسؤولية.
الحكم الرشيد لا يُقاس بالشعارات، بل بقدرته على تجنب الكوارث قبل وقوعها. وقد أُتيحت لإيران فرص متعددة لتسلك طريقاً دبلوماسياً يضمن أمنها واستقرارها، لكنها أهدرت كل فرصة، واختارت بدلاً من ذلك مسار التصعيد. والنتيجة حرب غير مسبوقة في حدّتها، مفتوحة على احتمالات يصعب احتواؤها، وتتجاوز آثارها حدود الجغرافيا لتطال الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة.
وحين واجهت إيران نتائج هذا الفشل، لم تتراجع، بل اندفعت إلى خطأ أكثر جسامة. ففي عالم تحكمه موازين دقيقة، يصبح ضبط النفس إحدى أقوى أدوات القوة، لا علامة ضعف. غير أن طهران اختارت النقيض تماماً، فوسّعت نطاق عدوانها، ولم تكتفِ باستهداف خصومها المباشرين، بل وجهت ضرباتها نحو دول الخليج التي كانت تسعى إلى التهدئة. وفي الوقت ذاته، سعت إلى تعطيل مضيق هرمز، الشريان التجاري الأهم في العالم، في خطوة نقلت الصراع من إطار إقليمي إلى تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي العالمي. وهنا لم يعد التصعيد مجرد خيار عسكري، بل تحول إلى أداة ضغط وابتزاز تطال العالم بأسره.
وكما يشير الباحث ستيفن إم. والت، فإن الدول لا تستجيب فقط لموازين القوة، بل لطبيعة السلوك والنوايا. وحتى الدول ذات القدرات المحدودة قد تدفع الآخرين إلى الاصطفاف ضدها إذا ما بدت عدوانية بما يكفي. فكيف بدولة بحجم إيران، تمتلك نفوذاً إقليمياً واسعاً؟ لقد كان رد الفعل الدولي حتمياً، لأن التاريخ يثبت أن السلوك الهجومي لا يردع الخصوم، بل يدفعهم إلى التكتل في مواجهته.
وفي غضون أسابيع قليلة، أعادت إيران تشكيل العالم ضدها، فعزلت نفسها، وأحرقت ما تبقى من جسور دبلوماسية، وقلّصت هامش حركتها الاستراتيجية إلى حد كبير. وهي اليوم لا تواجه خصومها التقليديين فحسب، بل تسهم في خلق اصطفاف أوسع، يهدد بتصعيد أكبر. وما يبدو للوهلة الأولى استعراضاً للقوة، قد يكون في جوهره تعبيراً عن مأزق استراتيجي عميق، يقترب في نتائجه من حالة استنزاف ذاتي، بل وربما اندفاع نحو سيناريوهات مدمرة.
غير أن الحروب لا تُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال، بل بما تكشفه من حقائق. فهي تختبر صلابة التحالفات، وتعرّي هشاشتها، وتكشف عمق الالتزامات خلف الخطابات الدبلوماسية. ودول الخليج تقف اليوم أمام لحظة مراجعة حاسمة، لحظة لا تقتصر على مواجهة التهديد، بل تمتد إلى إعادة تقييم علاقاتها وتحالفاتها، وإعادة تموضعها ضمن نظام إقليمي ودولي آخذ في التشكل من جديد.
وفي خضم هذا الاضطراب، تبرز فرصة دبلوماسية نادرة. فإعادة تشكيل التحالفات ليست مجرد نتيجة للحرب، بل أداة لصياغة المستقبل. والمنتصر في مثل هذه اللحظات ليس بالضرورة من يحسم المعركة عسكرياً، بل من يمتلك القدرة على قراءة التحولات بدقة، واتخاذ القرارات الاستراتيجية في التوقيت المناسب.
ولا تقتصر الحروب على كشف الحقائق السياسية، بل تمتد لتعرية ما يعتمل في الشارع. وهذه الحرب ليست استثناءً. فالعالم العربي يعيش حالة اضطراب فكري وسياسي، تتصارع فيها الأيديولوجيات القديمة مع واقع جيوسياسي جديد. ويبرز هنا تطبيق مبسط لنظرية التوازن الاجتماعي لعالم النفس فريتز هايدر، التي تختزلها المقولة الشائعة: “عدو عدوي صديقي”.
وفي هذا السياق، تجد بعض الحكومات العربية وقطاعات من شعوبها صعوبة في إدانة العدوان الإيراني على دول الخليج، انطلاقاً من هذا المنطق المبسط، إذ يُنظر إلى إيران بوصفها خصماً لإسرائيل، وبالتالي حليفاً ضمنياً. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية: يمكن لحقيقتين أن تتعايشا في آن واحد. يمكن إدانة سلوك دولتين مختلفتين إذا خالفتا القانون الدولي، دون الوقوع في فخ الاصطفاف الأعمى.
إن العجز عن تبني هذا الموقف المتوازن لا يعكس حياداً، بل يكشف عن خلل في القراءة السياسية. وقد أدى هذا التردد إلى طرح تساؤلات جدية حول دور جامعة الدول العربية، بعد تأخرها وترددها في إدانة هذا العدوان. وهو مشهد يعيد إلى الأذهان انقسامها خلال غزو الكويت عام 1990، حين واجهت المنطقة الاختبار ذاته، وانقسمت تحت وطأة الحسابات نفسها.
واليوم، ومع تكرار هذا المشهد، تبدو دول الخليج أكثر وعياً بخطورة التردد، وأكثر إصراراً على عدم السماح بإعادة إنتاج تلك اللحظة. فالأمن الإقليمي لا يحتمل ازدواجية المعايير، ولا يقبل الغموض في لحظات التهديد الوجودي. وما تفرضه هذه المرحلة ليس فقط موقفاً سياسياً واضحاً، بل إعادة تعريف لمفهوم التضامن نفسه، تضامن يقوم على وضوح الموقف، لا على توازن الحسابات.
في النهاية، الحروب لا تغيّر موازين القوى فحسب، بل تكشف حقيقتها. وهي لا تعيد رسم الخرائط فقط، بل تعيد تعريف العلاقات والتحالفات. وهذه الحرب، بكل تعقيداتها، ليست سوى فصل جديد في إعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي، فصل لن يُحسم فقط في ساحات القتال، بل في العقول التي تدير المرحلة، وفي القرارات التي تُتخذ تحت ضغط اللحظة.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون البقاء للأقوى صوتاً، بل للأكثر وعياً، والأدق حساباً، والأقدر على تحويل الأزمة إلى فرصة.

26 مارس 2026
دبي.. صمودٌ يحسم الرواية

عائشة عبدالله تريم

في الوقت الذي تواصل فيه حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة وشعبها الصمود بثبات ومواصلة مسيرة الحياة والازدهار في ظل الحرب الدائرة، نجد أنفسنا أمام معضلة من نوعٍ مختلف، معضلة ليست جديدة في جوهرها، لكنها تكتسب طابعاً استثنائياً في هذه الظروف، إذ نُجبر على الدفاع عن أنفسنا، ليس فقط في مواجهة التهديدات العسكرية، بل كذلك أمام سيلٍ متواصل من الخطاب الإعلامي الغربي الذي لم يتورّع عن توظيف سرديات هجومية تطعن في منجزات الدولة، بل وتتقاطع أحياناً مع مظاهر التشفي في أزماتها.
في عام 2012، وكنت آنذاك في بدايات مسيرتي المهنية كرئيسة تحرير صحيفة «جلف توداي» الإماراتية، كتبت مقالاً بعنوان «
رسالة مفتوحة إلى صحيفة الغارديان»، وذلك رداً على افتتاحية نشرتها حول ما وصفته ب«انهيار دبي». كان الدافع آنذاك حالة من الاستياء إزاء الطرح الذي غلبت عليه الأحكام المسبقة، واستند في كثير من جوانبه إلى آراء تفتقر إلى التأصيل الوقائعي والسياق الموضوعي. كما كان من المؤسف أن تنزلق مؤسسات إعلامية مرموقة، لطالما شكلت مرجعاً مهنياً، إلى معالجات أقرب إلى الإثارة الصحفية، في تناولها لتجربة دولة فتية كانت ترسّخ حضورها بثقة على الساحة الدولية. وفي ذلك الوقت، بدأت وسائل الإعلام الغربية تدرك مبكراً أن أي محتوى يرتبط بدبي يحقق معدلات تفاعل مرتفعة، وهو ما أسهم في ترسيخ نمطٍ من التغطية قائم على الجذب أكثر من الدقة.
لقد شكّل ذلك المقال بالنسبة لي تمريناً صعباً في مساءلة خطاب إعلامي صيغ من منظور علوي شامل حمل قدراً من القطعية التي أسست لسابقة غير مهنية، وأتاحت لغيره من المنابر تكرار النهج ذاته. كما ساهم في تكوين صورة مشوهة عن دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي صورة عملت الدولة، على مدى السنوات اللاحقة، على تفكيكها عبر الإنجاز الفعلي والتقدم الملموس. واليوم، لم يعد الإعلام الدولي في موقع المراقب الخارجي فقد وجد لنفسه بالفعل موطئ قدم داخلها. إذ تحتضن دولة الإمارات أكثر من 3000 شركة إعلامية، بما في ذلك مكاتب إقليمية لمؤسسات عالمية كبرى، في انعكاس واضح لبيئة إعلامية تؤمن بالشفافية وتحتضن التعددية ولا تتوجس من المساءلة.
ومن هذا المنطلق، تبدو المفارقة لافتة حين أجد نفسي، بعد ما يقارب خمسة عشر عاماً، أمام خطاب إعلامي يعيد إنتاج الأدوات ذاتها، والمفردات نفسها، والتنبؤات عينها. فرغم التحولات الجذرية التي شهدتها الدولة على مختلف المستويات، لا تزال بعض المعالجات الإعلامية تُقدَّم بالصياغة ذاتها، بما يعكس حالة من الجمود التحليلي وضعف الخيال المهني. وفي هذا التوقيت تحديداً، يتجاوز هذا النمط حدود التكرار ليصبح خطاباً غير مسؤول، يفتقر إلى الحس الإنساني في لحظة تتطلب أعلى درجات المهنية.
لقد كانت دولة الإمارات من بين أكثر الدول استهدافاً في سياق هذه الحرب، حيث تصدت لما يزيد على ألفي صاروخ وطائرة مسيّرة منذ اندلاعها، وهو رقم يفوق ما واجهته العديد من الدول الأخرى المنخرطة في هذا الصراع. ومع ذلك، لم تحظَ هذه الحقائق بما تستحقه من تغطية موضوعية تواكب حجم التحدي، ولا بالاهتمام الذي يعكس الأداء المتقدم لمنظومات الدفاع الجوي الإماراتية. وعلى النقيض، عادت بعض المنصات إلى تبني عناوين ذات طابع كارثي تتنبأ بانهيار اقتصادي وشيك، متجاهلة الجهود الحكومية المكثفة في ضمان سلامة المواطنين والمقيمين، واستمرارية المرافق الحيوية، بما في ذلك تشغيل المجال الجوي رغم الظروف الاستثنائية واتخاذ الإجراءات الاستباقية لدعم البنوك وقطاع الأعمال.
وفي واقع الحال، استمر المجتمع في دولة الإمارات في ممارسة حياته اليومية بدرجة عالية من الثقة والانضباط، مع وعيٍ محسوب بطبيعة المخاطر، وهو واقع لم ينعكس في كثير من التغطيات التي فضّلت سرديات الفوضى والخوف. بل إن بعض المؤسسات الإعلامية مثل قناة «بي بي سي» ذهبت إلى تخصيص موارد واسعة للتحقق من روايات الأفراد حول شعورهم بالأمان، في محاولة لتفنيدها، دون أن تفضي تلك الجهود إلى نتائج حاسمة، ومع ذلك تم المضي في النشر. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول أولويات التغطية ومعاييرها، في وقتٍ تبدو فيه القيمة الخبرية خاضعة لمنطق التفاعل الرقمي أكثر من الالتزام المهني.
إن دولة الإمارات ليست بمعزل عن تداعيات هذه الحرب، شأنها شأن العديد من الدول، غير أن التركيز الانتقائي على فرضية انهيارها يثير تساؤلاً مشروعاً يتجاوز اللحظة الراهنة إلى سياقٍ أوسع: لماذا تستمر هذه السردية تحديداً في الحضور؟ ولماذا يُعاد إنتاجها رغم تعارضها مع الوقائع؟ ولماذا تُسلّط العدسة المكبرة على هذه التجربة دون غيرها، في حين أن تداعيات الصراع تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره؟
إن ما تشهده المنطقة اليوم سيترك أثره بلا شك، محلياً وعالمياً. ومن هذا المنطلق، فإن مسؤوليتنا كصحفيين إماراتيين، ممن عايشوا مسيرة هذا الوطن ورأوا قدرته على تجاوز التحديات وتحويل الأزمات إلى فرص، أن نوجّه دعوة واضحة إلى الإعلام الدولي: إعادة الاعتبار للمعايير المهنية، وتجاوز منطق الإثارة، والعودة إلى جوهر الرسالة الصحفية القائمة على نقل الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يرى.

20 مايو 2024
حظر المشاهير.. مطالب إنسانية في عالم الخوارزميات

عائشة عبدالله تريم

الاضطرابات السياسية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واستهتار الحكومات بالمطالب العامة، دفعت الناس باستمرار إلى ابتكار أشكال جديدة من الاحتجاج. وعندما يرى الأفراد أن صرخاتهم المطالبة بالتغيير تلقى التجاهل أو تقابل بالعنف، كما يظهر التاريخ مراراً وتكراراً، يقدمون على الانتقام من خلال تعطيل النظام الاقتصادي.

بعد أن تعلموا الدروس القاسية للرأسمالية، وأن الدولار يأتي أولاً والبقية مجرد أضرار جانبية، بدأ الناس في مقاطعة المؤسسات والشركات التي تعرقل مطالبهم، بشكل مباشر أو غير مباشر. رغم أن الحكومات أعلنت على مدار عقود من الزمن أن هذه المقاطعات غير فعالة، زاعمة أنها لا تسبب الضرر المقصود وتلحق الأضرار بشكل أساسي بالشعوب من خلال خفض الوظائف وإغلاق الشركات. ومع ذلك، فإن ردود أفعال أسواق الأسهم العالمية والتعديلات اللوجستية الكبيرة التي تجريها الشركات رداً على هذه المقاطعات تشير إلى عكس ذلك.

ومع تصاعد وتيرة الصراع في غزة، ووصول الخسائر في صفوف المدنيين إلى مستويات غير مسبوقة في الحروب الحديثة، تستمر المقاطعة على قدم وساق. وقد تأثرت بشكل خاص الشركات المعروفة بدعمها لإسرائيل، مثل «ستاربكس» و«ماكدونالدز»، حيث شهدت انخفاضاً كبيراً في المبيعات، وتراجعت قيمة أسهمها، ولحقت أضرار دائمة بسمعة علامتها التجارية بشكل قد لا يمكن إصلاحه.

ورداً على ذلك، حاولت هذه الشركات تغيير علامتها التجارية من خلال إنشاء هويات جديدة تنأى بها عن شركاتها الأم، بهدف التخفيف من الخسائر التي تكبدتها علاماتها التجارية التي كانت تحظى بالاحترام في السابق. وفي الوقت نفسه، تواجه الجامعات في جميع أنحاء العالم واحدة من أصعب المعضلات، حيث تقاوم احتجاجات طلابية تناشد بسحب الاستثمارات من الشركات المتواطئة في دعم ما تقوم به إسرائيل من إبادة في غزة. حيث في الولايات المتحدة، تجمع الجامعات المليارات على شكل هبات من كيانات لها علاقات عميقة الجذور مع إسرائيل، ما يجعل سحب الاستثمارات شبه مستحيل. وحتى الآن، وافقت كلية إيفرجرين الحكومية فقط على سحب استثماراتها من إسرائيل، وهذا يسلط الضوء على التشابك العميق للنظام التعليمي الأمريكي مع الشؤون السياسية.

لقد تجاوز الصراع في غزة حاجز ال 200 يوم، حيث اتسم بالعديد من الهجمات التي تم تصنيفها على أنها جرائم حرب، فضلاً عن التجويع المتعمد للمدنيين من خلال عرقلة المساعدات الدولية. ونتيجة لذلك، اشتدت الاحتجاجات، وأصبحت ردود الفعل أكثر قوة، وتحولت المقاطعة إلى «حظر».

«حظر المشاهير» هو المصطلح الذي اعتمده مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي لانتقاد المشاهير لعدم تحركهم تجاه الأزمة الإنسانية في غزة، وذلك بهدف تهديد أرباحهم عن طريق خسارة متابعين على منصات التواصل الاجتماعي مثل «إكس» و«إنستغرام» و«تيك توك». إن حظر شخصية شهيرة على هذه المواقع يؤثر في حسابها بشكل أكبر من مجرد إلغاء المتابعة، حيث يعيق تقدم خوارزمية الحساب ويقلل من وصولها إلى متابعين أكثر.

نشأت حركة «الحظر» رداً على حفل «ميت غالا» (حفل سنوي ضخم لجمع التبرعات لصالح معهد آنا وينتور للأزياء في متحف المتروبوليتان للفنون في مدينة نيويورك)، حيث سار المشاهير المزينون بالمجوهرات على السجادة الحمراء بفساتين باهظة الثمن، متباهين بما اعتبره الآخرون عالماً موازياً يناقض الواقع اليومي الذي يعيشه معظم الناس. وفي الوقت الذي تواجه فيه الجامعات الأمريكية الاضطرابات واستمرارية الإبادة الجماعية في غزة، كان من المفترض أن ينصب الاهتمام على حفل «ميت غالا»، ومع ذلك، جاء هذا التركيز بنتائج عكسية، أدى إلى ولادة حركة حظر المشاهير (#blockout). وشهد المشاهير في جميع أنحاء العالم انخفاضاً كبيراً في أعداد متابعيهم – على غرار الانخفاض في أسهم الشركات التي تمت مقاطعتها – حيث فقدوا مئات الآلاف من المتابعين في الساعة، ما وجه ضربة كبيرة لصورتهم العامة ووضعهم المالي.

في السابق، كانت وسيلة التعبير الوحيدة للفنان هي الفن، بينما كان الباقي مجالاً للمؤسسات الإخبارية والمعلقين السياسيين. كان الفنانون يتعرضون للانتقادات عادة بناءً على موهبتهم فقط، ولكن عندما تحولوا إلى وسائل إعلام ومحطات إذاعية ووكالات إعلانية، لم يتمتعوا بالامتيازات المالية المتمثلة في تجاوز الوسطاء فحسب، بل تولوا أيضاً المسؤوليات التي تتحملها تلك الكيانات تقليدياً. في السابق، كان من النادر أن نتوقع من جميع المشاهير اتخاذ مواقف سياسية، لكنهم اليوم يتعرضون للانتقاد لعدم وجود صوت سياسي لهم. كما كانت هذه الانتقادات موجهة في المقام الأول إلى الشخصيات السياسية والمثقفين. لكن اليوم، اصبح متوقعاً من أي شخص لديه عدد كبير من المتابعين.

وفي الواقع، فإن امتلاك منصة كبيرة يجلب معه مسؤولية التحدث نيابة عن أولئك الذين لا صوت لهم. ومع ذلك، يجب على المرء أن يتساءل عما إذا كان المشاهير و«المؤثرين» يتمتعون حقاً بالفطنة السياسية والرغبة في المخاطرة بسبل عيشهم من أجل مثل هذه القضايا؟ لا يمكن للمرء أن يفعل ذلك إلا إذا تمسك بمعتقداته الأخلاقية بقوة، ومع ذلك لا يزال الكثيرون يفشلون في اتخاذ موقف. هذه الحجة لا تعفي المشاهير من مسؤولياتهم تجاه الإنسانية؛ بل إنه تساءل عما إذا كان ينبغي لنا أن نتوقع تعليقات سياسية ومؤازرة إنسانيه من «مؤثري» الساعة، فتيات الإعلان وفناني الماكياج.

ومن المفارقات الصارخة أن مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي الذين تتبعهم الجماهير، أطلقوا على أنفسهم اسم المؤثرين عندما يكون تأثيرهم الأساسي هو تصعيد النزعة الاستهلاكية إلى مستويات غير عادية، وتحويل متابعيهم إلى مدمنين.

في الواقع، إنهم مؤثرون، لكن طبيعة وصدق التأثير الذي يمارسونه أمر مشكوك فيه. ورغم أن الغاية قد تبرر الوسيلة في هذا السيناريو، فإن توقع اهتمام حقيقي من شخص يفشل في فهم خطورة قضايا مثل الإبادة الجماعية يبدو أمراً لا طائل منه. قد ينشر «المؤثرون» على مواقع التواصل الاجتماعي، أو لا ينشرون، منشوراً يدعم فلسطين أو يدعو إلى وقف إطلاق النار، لكنهم في النهاية لا يستطيعون تقديم ما لا يملكونه أنفسهم، ففاقد الشيء لا يعطيه، وفي هذا العالم المفقودة هي الإنسانية في غابة الخوارزميات.

13 مايو 2024
صمود الفن أمام القمع

عائشة عبدالله تريم

الفنانون يشعرون دائماً باهتمام المجتمع تجاههم على طريقتين، إما عبر احتضانهم أو التهجم عليهم. يتمتّع الكتّاب، الرسامون، والمفكرون بعلاقة متقلبة مع العالم، قد تبدأ بالاحترام وتنتهي بالبغض، أو تبدأ باللامبالاة وتنتهي بالإعجاب، أو ربما لا تبدأ على الإطلاق. أولئك الذين يمتلكون موهبة التعبير يثيرون خوف الناس لأنهم يتحدثون بالحقيقة كما عاشوها، ويظهرون للعالم الواقع من خلال عدسة الجمال مهما كان مشوّهة. عندما يجد الفنان قبولاً يرتقي إلى مرتبة سامية من خلال تكريمه ومكافأته والحديث عن إبداعه، وعندما يتعرض للهجوم يُعتبر منبوذاً ولا يستحق سوى التجاهل التام.

لطالما كانت السياسة سبباً في تشكيل مثل هذا الموقف تجاه الفنون. فالسياسة تخشى النقد بجميع أشكاله، ولا تقدّر من يجرؤ على قول الحقيقة كما هي وليس كما تُصورها المصطلحات السياسية. أثناء الحروب والاضطرابات السياسية الكبرى تكون الفنون أولى ضحايا هذا الخوف، حيث يتم ملاحقة الفنانين والإيقاع بهم، لينتهي بهم الأمر وراء القضبان لأسباب لا يفهمها سوى السياسيين.

أدت الحرب الحالية على غزة إلى إسكات نحو 35000 صوت، وإغلاق 35000 عين، وتسببت في إصابات لآلاف آخرين سُلبوا القدرة حتى على التعبير عن أنفسهم. ورغم ذلك، للفن طريقة في تخطي الألم، وربما يكون الألم هو مصدر إلهامه الأعظم، وفي فلسطين، أصبح الألم جزءاً لا يتجزأ من الحياة. أحد أعظم رموز الفنون العربية، الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وضعته الحكومة الإسرائيلية تحت الإقامة الجبرية لمدة ثلاث سنوات، فقط لأنه كتب قصيدة. واغتالت المخابرات الإسرائيلية الكاتب غسان كنفاني من خلال تفجير سيارة في بيروت أودى أيضاً بحياة ابنة أخته التي كانت في السابعة عشرة من عمرها. أما عبقري الكاريكاتير ناجي العلي، مبتكر شخصية الطفل حنظلة الذي أصبح رمزاً للمقاومة، فقد أطلقت عليه النار من قبل أحد رجال الموساد أمام مكتب صحيفة القبس الكويتية في لندن. صحيح أن بعضاً من أعظم العقول دفن غدراً، وأسكت، لكن بقيت كلماته مسموعة.

يُخدع العالم عند اعتقاده بأن هذه الحرب على الفنون تُشن فقط في الدول غير الديمقراطية، وأن أولئك الذين يقدسون حرية التعبير لا يشاركون في هذا الظلم، فها هي إسرائيل، إنجاز الغرب الأكبر في الشرق الأوسط، الحكومة التي تفتخر بأنها «الديمقراطية الوحيدة» في المنطقة، تشارك منذ إنشائها في سجن وقتل من يمارسون هذا الحق الديمقراطي المقدس بدم بارد. شنت إسرائيل 15 حرباً على قطاع غزة، وكانت هذه الحرب الأخيرة هي الأشد دموية وقسوة. منذ 2023، تقترب غزة من الانقراض التام، وإسرائيل مصممة على إكمال هذا الاحتلال الصارخ.

يتعرض الفنانون للاستهداف في غزة باستمرار حتى في لحظات «السلام» القصيرة، ومعظمهم يقضون أكثر من حكم بالسجن المؤبد في السجون الإسرائيلية من دون حق الاستئناف. ظهر مؤخراً في الأخبار اسم باسم خندقجي بعد فوزه بجائزة بوكر الدولية للرواية العربية عن روايته «قناع بلون السماء»، كتبها أثناء قضاء ثلاث عقوبات بالمؤبد في سجن إسرائيلي منذ عشرين عاماً. ثمة شاعر فلسطيني آخر يقضي أربع عقوبات مؤبدية في السجون الإسرائيلية هو ناصر شاويش، يعمل على نشر قصائده، يكتب كل واحدة سبع أو ثماني مرات على أمل هرب بعضها من بين قضبان السجن. يحب شاويش الكتابة أثناء التدخين وشرب القهوة في حديقة، لكن لا توجد حدائق في السجن، ومع ذلك قال إنه في بعض الأحيان يرفعه زملاؤه إلى نافذة ضيقة في الزنزانة لإلقاء نظرة على الطبيعة المحيطة بجدران السجن.

في آخر مقابلة له، ناشد أستاذ الأدب الفلسطيني والشاعر رفعت العرعير العالم بصوت متقطع لأنه خشي الأسوأ عندما سقطت القنابل من حوله ولم يبصر سبيلاً للهرب. أصبحت قصيدته الشهيرة «إذا كان لا بدّ أن أموت» نشيداً للبقاء وتذكيراً بالأمل، فعلى الرغم من أن الشاعر لم يعد بيننا، إلا أن كلماته لا تزال حية. تطاردنا كلماته في تلك المقابلة، وكثيراً ما تظل تحثنا على التأمل في لحظات الظلام. وتحدث العرعير عن كونه أكاديمياً، وسلاحه الأكثر فتكاً هو قلم السبورة الذي كان سيرميه على الجنود الإسرائيليين إذا اقتحموا منزله، ويستخدمه دفاعاً عن النفس. أليست الحقيقة المطلقة أن كل ما يملكه الفنان هو أدواته المتواضعة لمحاربة الظلم وقبح العالم؟

هذه الأسماء ليست سوى عدد قليل من بين الكثيرين الذين عانوا وقتلوا بسبب قول الحقيقة. إن استهداف إسرائيل المنهجي والموثق للباحثين عن الحقيقة يشكل جريمة خطرة ضد الإنسانية، ويمثل محواً لا مبرّر له لتجربتهم التعبيرية مع بشاعة واقعهم. تحدثت الشاعرة مايا أنجيلو عن سبب غناء الطائر الحبيس والشجاعة التي يتطلبها الأدب لسحق العنصرية ومواجهة الصدمات. قالت أنجيلو إن الطائر في القفص يغني عندما يكون جناحه مصاباً ويضرب قضبانه ليتحرر. لنأمل أن تنكسر كل الأقفاص وأن يحظى كل جناح مكسور بحرية الشفاء ليتمكن من التحليق. ليس في السجن حدائق يراها الشاعر، لكن كلماته تجعل القفص يزهر.

6 مايو 2024
البحث في نهاية الموت

عند النظر إلى لحظات معينة في التاريخ، نرى أن الجنس البشري يمر بتحولات غيّرت مجرى المستقبل إلى الأبد. تروي الكتب العديد من حالات التقدم التي دفعت العالم إلى الأمام، وبعضها أحدث دماراً لا يمكن تصوره. في هذه اللحظة، يواجه عالمنا العديد من هذه التحولات دفعة واحدة. يبدو أن الجنس البشري قد تغلب على العديد من نقائصه وأتم مسعاه في ترويض مخاوفه، وقد عمل بلا كلل ليتمكن من التحكم بما لا يمكن التحكم به. ومع ذلك، يبدو أن هناك شيئاً واحداً لا يزال قائماً، الظل القاتم الذي يخيم على جميع الكائنات الحية، الشيء الذي لا يهتم بأي إنجاز دنيوي مكتسب، الشيء الذي يضعنا جميعاً على قدم المساواة، وهو التوقف الحتمي للوجود: الموت.

لطالما واجه البشر مصيرهم بمحاولة فهم وقبول خلودهم بدلاً من مقاومته. اتفق الفلاسفة وعلماء النفس والشعراء على أن الوعي الذاتي الحقيقي ينشأ عندما يعترف المرء بالطبيعة العابرة للحياة؛ هذا القبول أمر بالغ الأهمية لتقدير الحياة بصدق. ومع ذلك، هناك من بيننا من يستهلكهم الخوف، ويظلون متحدين في وجه هذه الحتمية. ولم يؤد التقدم العلمي إلا إلى زيادة تصميمهم على مقاومة النهاية.

حالياً، هناك رائد أعمال مليونير في مجال التكنولوجيا يُدعى براين جونسون، كرّس حياته، وهو في سن ال 45، للسعي وراء إطالة العمر. كما استثمر مليارديرات آخرون، بما في ذلك جيف بيزوس ومارك زوكربيرج، الملايين في أبحاث إطالة العمر. من ناحية، يبدو هذا السعي نبيلاً من شأنه أن يفتح الأبواب أمام معلومات ضرورية عن الحياة البشرية ويساعد في تحسينها، ومن ناحية أخرى، يشعر المرء بالإرهاق من المعنى العميق لهذه الحرب الممولة جيداً ضد هذا المعادل العظيم.

تغلب كل من سقراط وأرسطو ونيتشه على فكرة الموت بالاستنتاج بأن الخلود مُسلَّم به، لأن الروح خالدة ومنفصلة عن الجسد. تتفق الأديان المختلفة في العالم أيضاً على هذه الفكرة، من الحياة الأخرى الأبدية إلى التقمص، حيث ترى معظم الثقافات الموت كبداية وليس نهاية. لقد حذرت الأعمال الأدبية من السعي إلى الخلود وصورته على أنه عبثي لا يجلب السعادة بمجرد تحقيقه.

وفي عالم الخيال والفانتازيا، تتجلى التحذيرات من خلال أعمال مثل رواية «انقطاعات الموت» لجوزيه ساراماغو، حيث يفسح الابتهاج الأولي بتوقف الموت المجال أمام صعوبات ديموغرافية ومالية غير متوقعة. وبالمثل، يكشف «دراكولا» لبرام ستوكر أنه إذا كان هناك درس يمكن تعلمه من فلسفة مصاص الدماء، فهو أن الخلود لعنة، مُقدَّر لهم أن يعيشوا إلى الأبد بينما يشاهدون أحباءهم يموتون ويعيشون حياة بلا بهجة يصبح فيها الرائع عادياً.

يدعي جونسون أنه ينفق مليوني دولار سنوياً لإبطاء عملية الشيخوخة، ونجح في عكس عمره البيولوجي بمقدار خمس سنوات. وبمراقبة رحلته، قد يتساءل المرء عما إذا كانت تكاليف مثل هذا المسعى تقتصر على الجانب المادي فقط. يعترف جونسون، بعد أن طلق زوجته، بأنه لم يعد قادراً على العيش مع شريك لأن أسلوب حياته أصبح مرهقاً للغاية بحيث لا يستطيع شخص آخر تحمله. يستيقظ وحيداً، ويلتزم بروتين صارم من التمارين البدنية والعقلية الشاقة، ويستهلك أكثر من 100 حبة على مدار اليوم. هذه الحياة الرتيبة المليئة بالأدوية والتجارب السريرية جعلته يبدو رجلاً شبه آلي. تكشف مشاهدة المقابلات التي أجراها عن التأثير العميق الذي أحدثته هذه التجربة في إنسانيته بصورة كبيرة.

لقد جذب هوسه متابعين من خلال موقع براين جونسون الإلكتروني لمجتمع «لا تمت» الذي يصف نفسه بأنه «مجتمع لامركزي موحد في هزيمة الموت وبناء الرخاء»، ويدعو الناس للانضمام عن طريق التسجيل في وثيقة تتفاخر ب«حربهم ضد الموت» و«البناء نحو أفق لا نهائي». إن ما تم الترحيب به ذات يوم باعتباره مسعى نبيلاً أصبح يشبه بشكل متزايد عقيدة شبيهة بالعبادة. ولجعل الأمور أكثر تعقيداً، قدم جونسون «Blueprint Stack»، وهو عبارة عن مجموعة من المشروبات والحبوب والعلاجات بسعر 343 دولاراً للجمهور. ويقال إن أوليفر زولمان، الطبيب البريطاني الذي يقود تجارب جونسون، يخطط للاستفادة بشكل أكبر من هذه العلامة التجارية من خلال فتح سلسلة من عيادات تجديد الشباب.

عند البحث عن جونسون، يجد المرء عدداً كبيراً من البيانات الصحفية والمقابلات المليئة بالثناء والدهشة. ومع ذلك، فإن الغوص بشكل أعمق في ما وراء الواجهة التسويقية يكشف عن مقالات يشكك فيها الباحثون والعلماء والمختصون في الخلايا الجذعية في فاعلية النتائج التي توصل إليها جونسون. عند الشك في ما إذا كان هناك من سيختار عن طيب خاطر أن يعيش حياة رتيبة وخالية من البهجة مثل حياة جونسون قد أجبرهم على إعادة تسمية العلامة التجارية التي تهدف الآن إلى تصوير أسلوب حياته على أنه «بسيط» في الحقيقة، ويمكن تكييفه مع الجميع.

إن استغلال المخاوف المجتمعية يمكن أن يؤدي إلى فرض قوة هائلة وتحقيق فوائد مالية. تَعِد الأبحاث الحالية بالحياة الأبدية ولكنها لا تقدم أي ضمانات في ما يتعلق بجودتها. العيب الأكبر في تفكير مجتمع «لا تمت» هو أنه يفترض أن الموت يأتي فقط مع التقدم في العمر، ولكنه يتجسّد في أشكال عديدة ويظهر عندما يكون مقدراً له. بالنسبة للكثيرين الذين يموتون قبل الأوان، تعتبر الشيخوخة امتيازاً. وتكمن المفارقة في سعينا إلى الخلود، متجاهلين في كثير من الأحيان الأرواح التي تُزهق حالياً. ما قيمة طول العمر في المخطط الكبير للأشياء عندما يمكن أن تنتهي الحياة بضغطة زر أو بموجة من الغضب؟

أكد الشاعر العربي طرفة بن العبد أن للموت قيمة أساسية في الحياة، واصفاً إياه بأنه حجر الزاوية في الوجود الإنساني.

وفي الواقع، فإن رفض الموت لا يعني بالضرورة احتضان الحياة.

26 أبريل 2024
غزة.. والتدمير الذاتي للأيديولوجيات الغربية

عائشة عبدالله تريم

يبدو أن الحرب على غزة قد أرغمت الأيديولوجيات الغربية مرة أخرى على ممارسة التدمير الذاتي، والانهيار تحت ضغط جيل من الأصوات الشابة المحتجة التي تطالب بالعدالة، وإنهاء الحرب التي استمرت لأكثر من 200 يوم على الأبرياء، وأودت بعدد لا يحصى من الناس دون نهاية تلوح في الأفق.

تجتاح حالياً موجة من الاحتجاجات «المؤيدة لفلسطين» الجامعات في جميع أنحاء أمريكا، تؤدي إلى اعتقال الطلاب وطردهم. ويواجه هؤلاء الطلاب مستقبلاً مهدّداً لمجرد ممارستهم حقهم في الاحتجاج. لقد أيد الغرب تاريخياً فكرة أن الجامعات يجب أن تكون ملاذاً آمناً للتعبير عن الذات، ولكننا نشهد الآن مؤسسات جامعية مرموقة مثل كولومبيا وهارفارد تتخذ خطوات لقمع هذه الحرية وإسكات الأصوات المعارضة. بالنسبة للجامعات التي بنيت على قيم تعزّز النقاش وتشجع الحوار، فإن قيامها فجأة بتصنيف أي انتقاد لإسرائيل على أنه معادٍ للسامية هو أمر مخيب للآمال في أحسن الأحوال. إن مساواة الموقف المؤيد للفلسطينيين بمعاداة السامية تشوه القضية من خلال الإشارة إلى كراهية عرقية غير مبررة. ما هذا إلا أسلوب جبان لتجنب النقاش الحقيقي وخنق الحوار الهادف.

تواجه إدارة بايدن انتقادات متزايدة لدعمها إلى ما يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه رد فعل انتقامي غير متناسب، بينما تجاهد من أجل معالجة الاحتجاجات المتصاعدة. تاريخياً، كان الحزب الديمقراطي يحشد الناخبين الشباب ويعتمد على مشاركتهم النشطة لتعزيز قاعدته الانتخابية. ومع ذلك، فإننا نشهد تنازلات متزايدة في موقفه، فقط للدفاع عن سياسات نتنياهو الانتحارية. ويؤكد هذا العناد الجنوني مجدداً أن حكومة الولايات المتحدة تعطي الأولوية لمصالح إسرائيل، وتضعها على ما يبدو فوق مصالح مواطنيها.

ومع اشتداد الصراع في غزة وارتفاع عدد الضحايا، ثمة كارثة إنسانية عظيمة، لكن رغم ذلك قللت الولايات المتحدة من أهمية التقارير التي تتحدث عن مقتل مدنيين، وتجاهلت ادعاءات واسعة النطاق بارتكاب جرائم حرب، وبررت هذه التصرفات بعبارة واحدة: «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها». ويبدو أن هذا التبرير يمنح إسرائيل مجالاً فريداً من نوعه في أعمالها العسكرية، وهو امتياز لا يُمنح لأي دولة أخرى. مرة تلو الأخرى، يتم التصديق على هذا الحق من خلال يد واحدة مرفوعة ب«الفيتو» في كل اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وهي اليد الأمريكية.

لقد تضاءلت مصداقية الغرب كسلطة في مجال حقوق الإنسان، وأصبحت الآن شبه معدومة، فقد كلفته الحرب على غزة أكثر من مجرد أسلحة؛ وأعادته مئات السنين إلى الوراء وشوّهت صورته القيادية للإنسانية.

لننظر إلى موقف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما خلال احتجاجات الربيع العربي التي أشعلت الشرق الأوسط في عام 2011. فقد أدت هذه الاحتجاجات إلى انهيار العديد من الدول العربية، واندلاع حرب أهلية في سوريا، وصعود تنظيم داعش، والتمرد والحرب الأهلية في العراق، والاضطرابات في مصر، والأزمات في ليبيا واليمن. واعتبرت إدارة أوباما، ونائبه آنذاك جو بايدن، هذه الاحتجاجات علامة على التقدم وولادة الديمقراطية. وفي مصر، انحاز أوباما إلى الشارع وأنهى فجأة تحالفاً طويل الأمد مع واحد من أقوى الشركاء في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى إبعاد الولايات المتحدة عن الرئيس حسني مبارك على الفور تقريباً. كان الخطاب يدور حول تعزيز الحرية في جميع أنحاء العالم وتحرير الناس من الديكتاتوريين القمعيين. ومع ذلك، فإن الأحداث التي سبقت يومنا هذا تشير إلى أنها كانت استراتيجية لسياسة «فرق تسد». ولم يستفد العالم العربي من ذلك، وقد لا تتعافى بعض المناطق أبداً من ذلك الربيع المدمر.

بدأ الربيع العربي عندما أشعل البائع المتجول التونسي محمد بوعزيزي النار في نفسه. وصف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما هذه اللحظة في بيان ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 بأنها ملهمة: «لقد ألهمتنا الاحتجاجات التونسية التي أطاحت بالديكتاتور، لأننا رأينا انعكاساً لقيمنا في تطلعات الرجال والنساء الذين ساروا في الشوارع». ومع ذلك، في أمريكا عام 2024، وفي ظل حكم الحزب نفسه، لا نرى أي إلهام من الطلاب الذين خرجوا إلى الشوارع والجامعات. يبدو أنه لا يتم التعامل مع جميع الاحتجاجات على قدم المساواة، فالاحتجاجات على تراب الوطن لا يتم الترحيب بها ولا التسامح معها.

ومن المهم توخي الحذر عند وصف هذه الاحتجاجات بأنها «مؤيدة للفلسطينيين»، لأننا بهذه التسمية نفقد حقيقتها. هذه الاحتجاجات هي ضد عمليات التطهير العرقي، وهي رفض للأنظمة التي تدعم الاحتلال وصرخة من أجل إنهاء الحروب كطريق نحو السلام. هذه الاحتجاجات في جوهرها الحقيقي مؤيدة للإنسانية، وتتبنى مفهوماً عالمياً للإنسانية لا تتلاعب به السلطة. إنها احتجاجات ضد النفاق ومن أجل الحق في الحياة.

وإذا كان الخطاب السياسي يعكس الحقيقة، لتم الاحتفاء بهؤلاء الشباب الأمريكيين الشجعان بدلاً من طردهم. ومع ذلك، عزاؤنا يكمن في معرفة أن الشباب أدركوا الحقيقة.. وهم اليوم لا يخشون التعبير عنها.