ماذا يريد دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، إن كان خارجياً أو داخلياً؟
كثيرون يعتقدون، من بينهم قطاع لا بأس به من الشعب الأمريكي، أن ترامب ظاهرة غريبة، بمعنى أن لا أحد يستطيع التنبّؤ بقراراته، وغريب في سلوكه وحركاته ولغته ومنطقه، وغريب أيضاً في التعامل مع حلفائه، ومن بينهم إسرائيل، التي تنال الرعاية الأكبر من سياسته الخارجية.
لكن في الواقع، فإن الرجل يتّسم بشيء من الدهاء والمكر والمراوغة، وإن ظهر مباشراً في حديثه وقراراته، ولديه سياسة تنسجم مع السياسة العامة للولايات المتحدة، كدولة عظمى، أو كجزء من تحالف عالمي، أو كشريك في السياسات العالمية العامة. ويبقى السؤال يدور في الأذهان، ويُطرح في كل مرة يتحدث فيها الرئيس الأمريكي إلى جمهوره المحلي أو إلى العالم: ماذا يريد ترامب؟
أعتقد، وأتّفق مع المحلّلين الذين يقولون إن ترامب يسعى بشكل رئيسي ومختصر إلى هدف كبير يتمثل في شعار «أمريكا أولاً»، وهذا يتطلّب منه إعادة تشكيل أقوى دولة في العالم عبر خطوات عديدة منها: إعادة التصنيع إلى الداخل الأمريكي وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية، وتشديد سياسات الهجرة والحدود وجعل الأمن الحدودي قضية مركزية، وزيادة إنتاج الطاقة الأمريكية وتقليل القيود التنظيمية على قطاعات النفط والغاز والصناعة، وتقليص حجم البيروقراطية الفيدرالية وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بدعوى مكافحة الهدر وزيادة الكفاءة، واعتماد سياسة خارجية لا تلتزم كثيراً بالترتيبات الدولية التقليدية وتركّز أكثر على المكاسب المباشرة.
وبعد هذا السؤال يأتي آخر حتمي هو: هل هذه السياسة خاصة بالرئيس ترامب أم أنها سياسة الولايات المتحدة، أي سياسة نظام كامل؟ هنا، تطل إيران برأسها، لأن المعنى يقود إليها، ويرى اختصاصيو السياسة الأمريكية أن هناك مصلحة أمريكية ثابتة تجاه إيران، أي هناك سياسة مؤسسية نظامية سبقت ترامب وربما تستمر بعده تتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وحماية تدفق الطاقة والتجارة العالمية، ومنع ظهور قوة إقليمية قادرة على تهديد النفوذ الأمريكي، ويرى هؤلاء أن هذه الأهداف تبنّتها إدارات جمهورية وديمقراطية لعقود.
ويرون أن السياسة (الترامبية) تختلف في الأسلوب والأولويات، فهو يركّز أكثر على الضغط الاقتصادي والعقوبات، ويربط السياسة الخارجية بمفهوم «أمريكا أولاً» فيطالب الحلفاء بتحمل كلفة أكبر للدفاع عن أنفسهم، وهو أيضاً يفضّل الصفقات والتفاوض من موقع القوة بدلاً من الانخراط في حروب طويلة. لهذا، يمكن القول إن العداء الاستراتيجي مع إيران يمكن وصفه بسياسة دولة، أما طريقة إدارته فهي سياسة (ترامبية)، وأحدث كذلك فرقاً عن طريق إضافة لهجة أكثر صدامية وقومية، لكنه لم يخترع التنافس مع إيران. أما بالنسبة للشرق الأوسط، فيعتقد كثير من الباحثين أن هدف واشنطن الأعمق ليس هزيمة إيران في حد ذاتها، بل منع أي قوة إقليمية واحدة من الهيمنة على المنطقة، سواء كانت إيران أو غيرها.
إن السؤال الأكثر أهمية: هل حربه مع إيران تحقق له هذه الأهداف المحلية أو الخارجية؟ وهنا، يرى المراقبون أن الحرب مع إيران ربما حقّقت له بعض الأهداف مثل: إضعاف قوة إقليمية يعتبرها خصماً للولايات المتحدة وحلفائها، وطمأنة حلفاء واشنطن في المنطقة، خصوصاً إسرائيل ودول الخليج، وإظهار صورة الرئيس الحازم القادر على استخدام القوة عند الحاجة. لكن لتلك السياسة تداعيات أيضاً وقد تكون سلبية مثل: ارتفاع أسعار النفط والطاقة، وزيادة الإنفاق العسكري في وقت يدعو فيه أنصاره إلى التركيز على الداخل، وخطر التورط في صراع طويل، واضطراب الأسواق العالمية والتجارة، وهو ما يتعارض مع هدف تعزيز النمو الاقتصادي.
ويمكن مناقشة هذه النتائج، فالبعض يقول إنه حقّق بعض الأهداف الخارجية على المدى القصير، فإذا كان الهدف إظهار القوة الأمريكية وفرض الردع على إيران، فقد حقق مكسباً سياسياً وإعلامياً مؤقتاً.
في الواقع، إن الولايات المتحدة، بمعزل عن تناوب الرؤساء على البيت الأبيض، لها ثوابتها في السياسة الخارجية، والاختلاف يحدث فقط في أولويات السياسات المحلية، وأحياناً في أساليب التعاطي مع الأزمات الخارجية، وإدارة الصراع، فإدارة أوباما تختلف عن إدارة ترامب في إدارة الصراع مع إيران، وبالتالي اختلفت النتائج، وكذلك الأمر مع الصين وروسيا، ودعم إسرائيل. ولكل رئيس بصمته في العلاقات الخارجية والدولية.
ومهما يكن من أمر، تبقى شخصية ترامب مثيرة للجدل، وجزء منها يعود إلى الشعور بالعظمة، فجميع الرؤساء يعلمون أن الولايات المتحدة هي أقوى دولة في العالم، إلا أن ترامب مزهوٌ أكثر من غيره بهذه الحقيقة، ويستند إليها دائماً في تعاطيه مع الآخرين، من بينهم أوروبا، وباللهجة العامية «ما عندو كبير..». وكان مباشراً جداً في تعامله مع حلفائه، إذ لم ينس يوماً أنه الحامي «والمعلّم الكبير»، وأحياناً «الفتوّة»، وتجاوز مسألة اعتماد الحلفاء على أنفسهم في الدفاع عن بلادهم. باختصار، أعتقد أن ما يريده ترامب أعمق مما ذكرناه.
