الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الصعود الآسيوي.. والتنوير الشرقي

21 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 21 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ينبع جل الألم البشري من تلك الفجوة الدائمة بين الواقع والمأمول، بين ما يملكه الإنسان وما يطمح إلى تملكه. ولأنه لا سقف للطموحات والرغبات، فيما الجهد والعمر الإنسانيين محدودين، تنمو تلك الفجوة باستمرار ويصير الألم معها طابعاً أصيلاً للوجود البشري، يحاول الفكر الفلسفي التخفيف من وطأته، وهنا تختلف الثقافات. فمثلاً، اختارت فلسفات التنوير الأوروبي، خصوصاً المادية، تحدي تلك الفجوة، فحرضت الإنسان على زيادة طاقاته، وتنمية قدراته، كي تواكب احتياجاته وتقارب رغباته. هذا الطريق جعل العلاقة بين الإنسان والعالم أقرب إلى صراع دائم، إذ يسعى الإنسان للسيطرة على العالم، فيما العالم يتحدى الإرادة الإنسانية، وينثر الصعوبات أمامها. ينجح الإنسان أحياناً في تحقيق ذاته، وهو ما يفسر التقدم المشهود في مسيرة التاريخ البشري، فلولا دأب إنسان الأمس في تجاوز ممكناته، لما كان لدى إنسان اليوم أغلب ما يملك.
غير أن تلك العلاقة الصراعية تحرم الإنسان من الشعور بالراحة والرضا، ومن القدرة على التكيف مع الآخرين في مجتمعه، ومع الطبيعة المحيطة به، إلى درجة تعتصر رحيق عمره، وربما تشوه معنى وجوده. ولعل هذه هي حال عالمنا، المفعم بمآسٍ كبرى وتوترات صغرى، وأزمات بكل الأحجام رغم الثورات التكنولوجية والتقدم المادي المفرط.
على عكس الثقافة الغربية، اختارت الثقافة الآسيوية أن تتكيف مع تلك الفجوة الوجودية بدلاً من تحديها، داعية إنسانها إلى تقليص رغباته إلى الحد الذي يملكه بالفعل، بدلاً من اللهاث خلف ما لا يملكه، مستندة إلى ما لديها من أنساق دينية وضعية يأتي على رأسها مبدأ (اللاتعلق) في البوذية، والفلسفات الأخلاقية والتقاليد الجماعية في الكونفوشية والتاوية. لدى هذه الأنساق، لا تنشأ المعاناة فقط من تعلق المرء بما لا يملك، بل أيضاً بما لا يمكنه أن يملك، ومن ثم تصبح الأشياء العصية على التملك سبباً أبدياً للمعاناة إذا لم يحصل عليها من الأصل، أو فقدت منه بعد أن تذوق حلاوة تملكها. فإذا أمكن غرس روح اللاتعلق بالأشياء الزائدة عن الحاجة، أمكن القضاء على المعاناة وعلى الشر الأخلاقي الناجم عنها، وفتح الباب واسعاً على الحياة الخيِّرة. ومن هنا صارت البوذية جوهرياً هي فن العيش في إطار السيطرة الكاملة على الذات، وصارت الممارسة العملية لها بمثابة أنماط من التدريبات النفسية، والطقوس اليومية كالنيرفانا واليوغا، تفضي إلى استنارة الروح، وتألق الوجدان. تقود النيرفانا إلى الاندماج في الكون دمجاً يزيل الفواصل بين الفرد ومحيطه، ويذيبه في الوجود، وكأنه ذرة كونية انفصلت عن الوجود الكوني في لحظة سابقة، ولا تبغي، منذ تلك اللحظة سوى العودة إليه، كما يعود الجزء إلى الكل. أما اليوغا فطريقة لترويض الجسد الإنساني، الذي لا أهمية له في ذاته، كونه جزءاً من عالم المادة الفاني، تنبع قيمته فقط من كونه وعاء للروح الخالدة، ومن ثم لا يتوانى الشخص الحكيم عن محاولة قهره ليكف عن الإلحاح برغباته التي تطمس نقاء الروح.
هذه الممارسات العملية تقوم على مبدأ فلسفي، وهو ضرورة معرفة الذات الإنسانية لحاجاتها الأساسية، ولطبيعة علاقتها بالوجود المحيط بها. ففي غياب تلك المعرفة تبقى الذات مجرد ذرة تائهة، إرادة ضالة، تصعب السيطرة عليها أو تلبية مطالبها المفتعلة. أما في حضورها فتستطيع الذات أن تكتشف حقيقتها الكبرى، وأن تدرك كونها مجرد تجليات لواقع أكثر عمقاً، لا يعرف الانقسام، يتجسد بحسب «الأوبانيشاد»، كتاب البرهمية المقدس، في البراهمن، أي القوة العظمى التي تمنح الكون طاقته المادية، كما تمنح للذات الإنسانية/ الأتمان، طاقتها الروحية، باعتبارهما في النهاية وجهين لشيء واحد. يعود الأتمان إلى البراهمن كما يعود الفرع إلى أصله. وهكذا تعمل القوة العظمى الكونية الكامنة في البراهمن، على تحرير الذات الإنسانية من ضعفها ورغباتها!.
لا شك في أن الثقافة الغربية المسيحية، وكذلك الثقافة العربية الإسلامية، قد شهدتا ممارسات عدة تنتمي إلى فلسفة اللاتعلق، استمر بعضها إلى اليوم، كطقوس الرهبنة المسيحية التي نراها في بعض الأديرة خصوصاً الشرقية، أو أشكال التصوف الإسلامي التي لا تزال مرئية في بعض الطرق وحول بعض الأولياء. بل إن الثقافة الحديثة نفسها تشهد ممارسات هامشية تمتّ إلى تلك الفلسفة بصلة، لدى بعض الجماعات الثقافية والفنية المغتربة وأشهرها الهيبيز. ولكن تلك الظواهر تظل أقرب لجيوب ضامرة أو كهوف مغلقة على نفسها، هوامش نحيفة على متن العالم الحديث الذي يمور بالصراعات ولا يكاد يلتفت إليها، ومن ثم يبقى السؤال: ألسنا بحاجة إلى تطعيم الوجود الإنساني بتلك القيم الآسيوية التي تحض على الرفق والمحبة والتعايش الحنون مع الطبيعة والآخرين، يمكن اعتبارها تنويراً جديداً يصاحب ويمهد لصعود الشرق الحضاري، يتعين بثها في عروق مؤسساتنا الحديثة، ونظمنا القانونية، كي تمنحنا القدرة على الانفلات من قبضة القلق الوجودي، وتحقيق الشعور بالانسجام والطمأنينة إزاء الواقع الخشن من دون أن نتخلى عن مسيرة تقدمنا التاريخي.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة