تقع روسيا على خطوط تماس عدة، تتقاطع مع المكونات الأساسية للهُوية الأوروبية. فعلى صعيد الجغرافيا تقع في منطقة التماس مع القلب الأوراسي. وعلى صعيد الدين يسود فيها المذهب الأرثوذكسي، السائد في شرق أوروبا، لكنه مذهب الأقلية في غربها، وفي الولايات المتحدة. وعلى صعيد الجذور الإثنية، يسود العرق السلافي الذي يكاد يرتبط بالمذهب الأرثوذكسي، ويمتد بمحاذاته. أما على صعيد التجربة التاريخية، فقد ولد التشكيل الحضاري الروسي من رحم الثقافة البيزنطية، قلب الإمبراطورية الرومانية الشرقية، فيما خرجت التحولات الكبرى التي صاغت ملامح أوروبا الحديثة من رحم الإمبراطورية الرومانية المقدسة: حركة النهضة، المذهب الإنساني، الإصلاح الديني، حركة الكشوف الجغرافية، عصر التنوير، الثورة الصناعية، والنزعة الكولونيالية.
وهكذا كان مسار التطور الحضاري الأوروبي مغايراً لنظيره في روسيا، التي استمرت أراضيها مسرحاً لحركة الدول المغولية حتى مطلع القرن الخامس عشر، وظلت عاصمتاها التاريخيتان «كيفان روسي» التي صارت عاصمة لأوكرانيا، ثم «موسكوفي» العاصمة الحالية، بمعزل عن تأثيرات الحداثة الأوروبية، فلم تعرفا العلمانية السياسية؛ حيث الفصل بين الدولة والكنيسة، أو الديمقراطية، حيث تسود مفاهيم كالنزعة الفردية، وحكم القانون، والتمثيل البرلماني.
استمر الحال على هذا المنوال حتى كان حكم القيصر المتنور «بطرس الأكبر» (1689-1725)، والذي أدرك من خلال جولة طويلة في ربوع القارة الأوروبية كيف باتت روسيا متخلفة عن أوروبا الغربية، ليشرع بمجرد عودته في عملية تحديث كبرى. وعلى منوال الباشا محمد علي في مصر، كان أول شيء قام به بطرس الأكبر هو تطوير الجيش الروسي، فأنشأ القوات البحرية، وأدخل التجنيد الإجباري، وشيد الصناعات الدفاعية، والمدارس الفنية. كما أرسل البعثات العلمية إلى أوروبا، خاصة فرنسا، للتعرف على أحدث المعارف الخاصة بالإدارة الحديثة والتصنيع والتسليح، خصوصاً بناء السفن. ولكي ينفق على كل تلك الإصلاحات قام بتطوير النظام الضريبي. وقرب نهاية عهده ترك موسكو وانتقل إلى العاصمة الجديدة «سان بطرسبورغ». وليعلن حضور روسيا الجديد كقوة مهيمنة في بحر البلطيق، شن حرباً ضد السويد. وفي خضم الحروب النابليونية ضد الملكيات الأوروبية كان دور روسيا الدفاعي حاسماً في هزيمة نابليون وانكفائه تالياً.
لم يتوقف الجدل حول هوية روسيا منذ بطرس الأكبر وحتى مطلع القرن العشرين، خصوصاً بين أدبائها الكبار: نيكولاي غوغول، وألكسندر بوشكين، فيودور ديستوفيسكي، وليف تولستوي. فثمة من تحمّس لتحديث روسيا والسير الحثيث على طريق أوروبا ولو اقتضي ذلك التخلي عن الروح الروسية مثل غوغول المتأثر بثقافتـه الفرنسية. وثمة من نادوا بضــرورة استمــرار روحهــا المتميزة، المترعة بالحس الأخلاقي، وإن أبطأ ذلك من مسيرة تحديثها كما تصوّر ديستوفيسكي، وهو ما حدث تقريباً، فظل نظامها السياسي حتى الآن يتسم بملامح آسيوية جلية من قبيل النزعة الاستبدادية، ومركزية القرار وتقديس الحاكم. كما ظل مجتمعها المدني يخلو من التعددية المدنية الحقيقية. في هذا السياق كانت الثورة البلشفية بمثابة هدنة سعيدة لكن مؤقتة لهذا الجدل، إذ حوَّلت روسيا إلى الاتحاد السوفييتي، وجعلت منه قائداً لمعسكر (شرق الغرب)، تتسم علاقته بالمعسكر الأوروـ أمريكي، أي (غرب الغرب)، بالندية الكاملة، رغم أنه قد تأسس على قاعدة أيديولوجيا ماركسية ولدت داخل الغرب نفسه (ألمانيا وإنجلترا)، لكنها وجدت تجسيدها الأبرز في أوروبا الشرقية. هكذا صارت روسيا السوفييتية مختلفة عن الغرب وفي الوقت ذاته نداً له، خصوصاً على الصعيد الفضائي والعسكري، كما على الصعيد الأيديولوجـــي، وتحـــول الجـــدل حـــول مستقبلهــا من ثنائية محلية طرفيها السلافية والتغريب، إلى ثنائية كوكبية طرفيها الشرق والغرب، اليسار واليمين.
عبر هذا التاريخ الطويل لم تكن روسيا القيصرية عدواً مطلقاً لأوروبا الغربية، فلم تحارب سوى السويد، والسلطنة العثمانية في القرم، أما حربها مع فرنسا النابليونية، فكانت دفاعاً عن نفسها وأيضاً الملكيات الأوروبية المحافظة. وهو الدور نفسه الذي لعبه الاتحاد السوفييتي دفاعاً عن الحلفاء ضد دول المحور في الحربين العالميتين. اليوم، نجد أن روسيا الاتحادية قد فقدت الهيلمان السوفييتي والأيديولوجية الشيوعية، ولم تعد قادرة على منازلة القطب الأمريكي، لكنها تظل رغم ذلك قوة إقليمية عظمى، تحتاج إلى علاقات ودية مع دول أوروبا، مثلما تحتاج تلك الدول إلى علاقات ودية معها. ومن ثم فإن الشعور الأوروبي بالخطر الروسي إنما ينطوي على تهويل كبير صنعته الولايات المتحدة، لتدجين القارة العجوز، وفرض بعض الشروط عليها، كزيادة إنفاقها الدفاعي إلى نسب غير مسبوقة، وتخلي بعض دولها عن حيادها التاريخي والانضمام للناتو كالسويد وفنلندا، وبعضها الآخر للعودة إلى سياسة التسلح كألمانيا. إنه الطريق الذي تسير فيه أوروبا الآن للأسف، غير مدركة لقدرتها على الاستغناء عن أمريكا واستراتيجياتها الصراعية. فأوروبا الأسيرة لأمريكا هي أوروبا التابعة، المحكومة بمنطق الحرب الباردة والجغرافيا السياسية، المتورطة في الدفاع عن المركزية الغربية، فإذا ما غيرت نظرتها إلى نفسها، أدركت أنها ليست بحاجة إلى السير خلف أمريكا نحو الصراع مع روسيا بل بحاجة إلى صداقتها.
[email protected]
كشفت التظاهرات المليونية في عشرات المدن الأمريكية ضد سياسات الإدارة الأمريكية تحت شعار «لا ملوك». وقبل ذلك فشل طلاب الجامعات، خصوصاً الأمريكية، في تغيير مواقف بلدانهم من العدوان على غزة، عن تلك الفجوة الكبيرة بين مواقف الرأي العام وسلوكيات النخب الحاكمة، حتى في أكثر المجتمعات ليبرالية، رغم الافتراض السائد بأن الديمقراطية التمثيلية ليست إلا مرآة عاكسة لإرادة الشعوب. تلك الفجوة لا يسدها مجرد استخدام المواطن لحقه في التصويت كل عدة سنوات، يمكن تفسيرها بأربعة دوافع أساسية:
الدافع الأول اقتصادي؛ يتعلق بمراكز القوة والنفوذ التي تحوزها الشركات الكبرى العاملة في المجالات الحيوية، خصوصاً شركات التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع العسكري. فالمؤكد أن مصالح تلك الشركات تتم مراعاتها من قبل الحكومات، لما تمثله من نسب وازنة في اقتصاديات الدول، وما تملكه من تأثير في فرص نجاح المرشحين في الانتخابات العامة، حيث الإنفاق على الدعاية الانتخابية يفوق طاقة جل المرشحين، ويتطلب تمويلاً عاماً يعترف القانون بشرعيته وينظم طرائقه. ولعل المثال الأبرز على ذلك هو التأثير الحاسم للمجمع الصناعي العسكري في السياسة الخارجية الأمريكية، إلى حد إشعال الصراعات المسلحة وتغذية الانقلابات السياسية في بلدان العالم الثالث، ترويجاً لصناعة السلاح، التي تعاني البوار حال استقرار الأمن والسلام.
والدافع الثاني سياسي؛ يتمثل في وجود جماعات ضغط قوية، تتمتع بالمشروعية القانونية، لكنها تملك أهدافاً خاصة بها قد لا تندرج بالضرورة في سياق المصلحة العامة، على منوال منظمة «الإيباك» في الولايات المتحدة، اللوبي الصهيوني الأكبر في العالم، والتي تستقطب تبرعات الأمريكيين اليهود لتمويل نشاطها في دعم إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ تستثمر في كثير من السياسيين المؤثرين، خصوصاً أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وحكام الولايات، ناهيك بالطبع عن المقعد الرئاسي. فمن خلال الإنفاق المباشر على حملاتهم الانتخابية، والعمل من خلال وسائل الإعلام على ترويج دعايتهم السياسية أو على نشر فضائح خصومهم الشخصية، يمكنها التأثير لصالحهم، قبل أن تقوم تالياً بالضغط عليهم لاتخاذ مواقف لا تتفق بالضرورة مع المصلحة العامة الأمريكية، ناهيك عن ميول الرأي العام السائد.
والدافع الثالث ديني/ ثقافــي؛ قد يدفع النخبة الحاكمة في دولة إلى موالاة مصالح دولة أخرى، على المنوال الذي تنسج عليـه العلاقات الأمريكيـة الإسرائيليــة، استناداً إلى مفهوم خلاصي لدى المسيحيين الإنجيليين، الذين باتوا يشكلون تياراً وازناً في السياسة الأمريكية اليوم، جعلهم أنصاراً لتيار الصهيونية الدينية في إسرائيل. يؤمن المسيحيون الإنجيليون بسفــــري دانيــــال، وحزقيال في العهد القديم، بقدر ما يؤمنون برؤيا يوحنا في العهد الجديد، وثلاثتهم يبشرون بالعقيــدة الألفيـة، أي عودة المسيح ليحكم العالم لمدة ألف عام يسودها السلام والرخاء، بعد أن يواجه قوى الشر، ويهزمها في موقعة قاسية (هرمجدون) يُقتل فيها ثلثا العالم. ومن ثم يعود اليهود إلى أرض الميعاد، ويقومون ببناء الهيكل، الذي يمثل والحال هذه بشارة لتدشين العصر الألفي. لكن، وعند هذه النقطة يبدأ الخلاف بين المسيحية الإنجيلية والصهيونية الدينية. فاليهود يدركون هذا الحدث باعتباره تدشيناً لعودتهم إلى موقع الشعب المختار، بعد فاصل طويل من الشتات، انطلاقاً من تصور أن الله كان قد تخلى عنهم منذ خراب أورشليم وتدمير الهيكل عام 70م، واتجه في المقابل إلى الأمم الأخرى ليقيم علاقة مباشرة معهم. لكن، ومع المجيء الثاني للمسيح ينتهي زمن تلك الأمم، ويعود الرب مرة ثانية إلى شعب إسرائيل وحده. ورغم أن المسيح في مجيئه الأول رفض تأسيس ملك أرضي، وهو ما دفع اليهود إلى رفض نبوته، فإن مجيئه الثاني سيكون تلبية لحلمهم القديم في مسيا (مخلص) مسلح بالقوة والعنف. وهكذا تعود المسيحية إلى الشجرة الأم، وكأنها لم تكن سوى مرحلة مؤقتة، تعود بعد انتهاء مهمتها، للذوبان في اليهودية.
أما المسيحيون الإنجيليون فيرون، على العكس، أن عودة اليهود إلى أرض الميعاد ليست انتصاراً لليهودية، بل بداية لذوبانها في المسيحية، ما يعني أن المسيحية، وليس اليهودية، هي محور خطة الرب لنهاية التاريخ. ولأن الهيكل لم يُبنى بعد، والمسيح لم يعد ثانية حتى الآن، تظل لحظة الصدام تلك مؤجلة، ويصبح تعضيد إسرائيل بمثابة لاهوت سياسي أمريكي خصوصاً لدى اليمين المسيحي الذي يشكل قاعدة قوية للحزب الجمهوري.
أما الدافع الرابع فتاريخي نفسي؛ من قبيل ذلك الشعور بالذنب إزاء طائفة معينة بالذات، وهو ما يتجسد في الحالة الألمانية، حيث تظل المحرقة النازية لليهود بمثابة الإثم في الضمير الجمعي، يدفع الحكومة الألمانية إلى تقديم دعم اقتصادي سنوي لإسرائيل، التي نجحت في طرح نفسها وريثاً لحقوق اليهود في أنحاء العالم. كما يدفع عموم الألمان وعلى رأسهم مثقفون بل مفكرون من طراز يورجن هابرماس، إلى تأييد سياستها العدوانية، على النحو الذي برز جلياً، وبكل أسف، خلال العدوان الوحشي على غزة.
[email protected]
قبل أيام غيّب الموت الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس (1929 2026) أحد أكبر المفكرين المعاصرين الذين نظَّروا للحداثة، ودافعوا عن مشروع التنوير، ولعله أبرز من تصدّوا لموجة التفكيك العاتية التي هبّت رياحها من قلب الفكر الفرنسي، وحاولت التشريع لعصر ما بعد الحداثة، والذي شكّك هابرماس دائماً في شرعيته، مؤكداً أنه ليس إلا مرحلة جديدة في مشروع الحداثة نفسه، الذي لم يكتمل، حسب رأيه، طالما أنه لم يحقق غاياته النهائية في التمكين لقيم العقلانية والحرية والعدالة.
ارتبط هابرماس بمدرسة فرانكفورت، التي خرجت من رحم معهد الأبحاث الاجتماعية في جامعة غوته مطلع عشرينات القرن الماضي 1923م، بدعم مالي كبير من اليهودي الألماني، الثري والماركسي في آن فيليكس فيل. لكنه، وعلى عكس رموز الجيل الأول في المدرسة، الذين ولدوا لعائلات يهودية، وهاجروا إلى الولايات المتحدة تحت ضغط النازية، ورحلوا إبان الحرب الباردة، ولد لعائلة مسيحية بروتستانتية، ولم تضطره الظروف إلى هجرة وطنه، فكان أبرز رموز الجيل الثاني للمدرسة. درس في جامعتي جوتنجن وزيورخ ونال درجة الدكتوراه من جامعة بون عن رسالة بعنوان: المطلق والتاريخ.. عن التناقض في فكر الفيلسوف شلنج، وتولّي كرسي هوركهايمر في جامعة فرانكفورت منتصف الستينات.
عاصر نهاية الشيوعية، وأدرك عصر ما بعد الصناعة، فلم يبذل جهداً كبيراً كأسلافه الفرانكفورتيين في تجديد الماركسية، أو نقد التقنية التي بات لمنجزاتها دور محوري في تلبية المتطلبات البشرية. ورغم أن الأخيرة قد وفرت أدوات للسيطرة على الجماعات وتدجين الأفراد، فقد رأى في ذلك مجرد جانب سلبي ضمن جوانب أخرى إيجابية على رأسها تحرير الإنسان في مواجهة الطبيعة.
وعلى عكس ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو اللذين أعلنا عن أفول التنوير في كتابيهما المشترك «جدل التنوير»، ذهب هابرماس إلى أن عقل التنوير لم يمت رغم الانحرافات التي جسدتها النزعة الاستعمارية، والحربين العالميتين اللتين خاضتهما الفاشية والنازية. نعم، يعترف بأزمة الحداثة التي أسست لحضارة مادية سرعان ما حاصرت نشاط العقل نفسه، فجرى اختزال العقلانية في مجرد صيغة أداتية، واختزال نظرية (المعرفة) في نظرية (علم)، وهو ما نهضت به الوضعية التجريبية، وكرّسته الوضعية المنطقية. لكن الحل في نظره ليس في التخلي عن العقلانية باسم النزعة المثالية، بل في محاولة تجديد النزعة النقدية لدى إيمانويل كانط، كي تتمكن من ممارسة دورها بعد أكثر من قرنين، في عالم مختلف هيمنت عليه التقنية والنزعة الاستهلاكية، من خلال دمج العقل النظري الذي يستهدف المعرفة، مع العقل العملي الذي يستهدف الأخلاق، بحيث يستعيد العقل بعضاً من تكامله وفعاليته، أي خاصيته التواصلية.
في كتابه الأهم «نظرية الفعل التواصلي» 1981، دان هابرماس العقل الأداتي باعتباره عقلاً نفعياً، يسعى فقط إلى السيطرة على العالم الطبيعي، فيما قرَّظ العقل التواصلي، الذي يهدف إلى تعميق فهمنا للعالم، عبر الإصغاء لتفاعلات الإنسان الداخلية، وإلى توسيع التفاهم بين البشر عبر التفاعل اللغوي الخلاق بينهم. ومن ثم يؤمن هابرماس بأهمية التعددية الثقافية، مؤكداً أن القبول بها ليس مجرد فضيلة ذاتية لطرف ما يجود بها على الآخرين، بل هو نتيجة ضرورية للإقرار بتعدد جوانب العقل الإنساني ذاته، والذي يعمل بطرائق مختلفة. هذا الإقرار يفترض التخلي عن الاعتقاد التقليدي بأن ثمة عقلاً واحداً للحداثة، يتسم بالكلية والشمولية، فمهما تعددت الثقافات واختلفت جذورها، لابد أن ينطوي كل منها على قدر من العقلانية، يمكن الكشف عنه عبر حوار ديمقراطي ضمن مجال عام يقوم على أساس المواطنة المتعددة. ومن ثم يرفض هابرماس ضمنياً، فهم الغرب لنفسه باعتباره التمثيل الوحيد للعقل، وللثقافة الكونية.
هذا الإقرار، بكل ما يترتب عليه من نتائج، كالتسامح بين الأديان المختلفة، وبين الدين والعلمانية، هو ما جعل هابرماس بمثابة التجسيد الحي لإرث فرانكفورت النقدي. لكنه الإقرار نفسه الذي قام هابرماس بخيانته قبل رحيله بأقل من عامين، عندما أصدر وثلاثة من أساتذة الفلسفة السياسية بجامعة غوته في الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2024م بياناً بعنوان «مبادئ التضامن»، عبّروا فيه عن دعمهم لإسرائيل في حربها على غزة، وبرروا كل ما تقوم به ب«بالفظائع التي ارتكبتها حماس في 7 أكتوبر، وكشفت عن رغبة في القضاء على الحياة اليهودية عموماً». وبأن «الروح الديمقراطية التي تأسست عليها جمهورية ألمانيا تعتبر الحياة اليهودية وحق إسرائيل في الوجود عنصرين أساسيين يستحقان حماية خاصة في ضوء جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبت في العهد النازي». هنا يقع الرجل في تناقض جعله أسيراً لما حذر منه، وهو الخلط بين الانتماء لهوية كونية وبين الاندراج في الثقافة الغربية، فلم يكن لأهل فلسطين أي ذنب في جرائم العهد النازي، ولا يقع عليهم بالتبعية عبء حماية الشعب اليهودي، ولذا بدا رحيل هابرماس في هذا الوقت كعلامة نهاية موضوعية، وليس فقط شخصية على أفول مشروع التنوير وقيمه الإنسانية.
[email protected]
مع نهاية الحرب الباردة، وصعود خطاب العولمة، ساد تصور أن كينونة الدولة القومية أخذت في التراجع والأفول لصالح تنظيمات إقليمية عابرة لها، يمكنها الحلول بديلاً عنها. بل إن هناك من أوغلوا في النيل منها فتحدثوا عن كيانات داخلها، باتت تتفوق عليها من قبيل الشركات المتعدية والمتعددة الجنسية. لكن، ما إن وقع الوباء الكوني كوفيد 19 مطلع العام 2020، إلا واستعادت الدولة القومية مركزيتها لتبدو وكأنها الحقيقة السياسية الأكثر صلابة في عالم يموج بالسيولة، وحائط الصد الحقيقي في لحظة تموج بالخوف.
لكن الدولة الوطنية في معظم أرجاء العالم العربي تظل أقرب إلى إشكالية سياسية منها إلى حقيقة وجودية، لقد تأخرت حداثتنا الثقافية إلى مطالع القرن التاسع عشر، ولم يتبلور لدينا مفهوم العقد الاجتماعي بالمعنى الحديث، فظلت مجتمعاتنا أسيرة عقد بدائي يتجذر في نموذج «السلطة الرعوية»، وهو المعادل العربي للإقطاع الأوروبي، جوهر هذا النموذج أن تقوم جماعة وظيفية ليست من نسيج المجتمع بالذود عنه، وأداء الوظيفة العسكرية فيه، في مقابل التحكم في سلطته السياسية والسيطرة على موارده الاقتصادية.
جرى تدشين هذا العقد مع الخلافة العباسية في عصرها الأول، ثم هيمنة الأتراك، على العصر العباسي الثاني، كما تدعم بالاجتياح المغولي، فالمغول بدو رحل بالأساس، يتميزون بالقوة والهمجية ولا يملكون ثقافة تذكر.
بسقوط الخلافة العثمانية 1924م، وزوال الاحتلال الأوروبي منتصف القرن العشرين، بدا وكأن المجتمعات العربية أدمنت هذا النموذج، فصار لديها قابلية الخضوع لأي قوة ترثه أو تشبهه، من قبيل النخب العسكرية التي طالبت بالاستقلال أو حصلت عليه، وفي المقابل عزلت المجتمع المدني عن الشأن السياسي، ومن ثم تأسست الدولة الوطنية العربية، ربيبة عصر التحرر القومي، على قاعدة تمدد الجيش في الحياة المدنية، بل إن جنرالات السياسة العرب حاولوا صياغة مجتمعاتهم على منوال التنظيم العسكري وما ينطوي عليه من تراتب في القيادة تصوروا أنه الطريق الوحيد لتحقيق التماسك الوطني والآلية الحاسمة لاتخاذ القرارات.
وبينما كان الألمان يتخلون عن قوميتهم العضوية ونزعتهم العسكرية منتصف القرن العشرين، ليعيدوا بناء بلدهم على منوال النموذج الفرنسي، أي على قاعدة العيش المشترك والاندماج الطوعي بين عموم المواطنين، كان العرب يستعيرون من الألمان مفهومهم القديم عن الأمة، باعتبارها قومية عضوية، ومن ثم جرى الربط بين الأمة والدولة الشمولية، القادرة علي امتصاص المواطن/ الفرد وإذابته في شخصيتها الجمعية، وفي وقت كان الألمان يتطهرون من النزعة التوسعية وينسجون ثوب الاتحاد الأوروبي من خيوط الوحدة الطوعية، كان بعض العرب يلتمسون النموذج البروسي في ترتيب العلاقة بين بعضهم البعض.
الأخطر من ذلك هو أن غياب المواطنة الدستورية جعل الأقليات العرقية والمذهبية هدفاً لنزوات نخب الحكم العسكرية، وتالياً ثغرات في الجسد العربي، فصدام على سبيل المثال في لحظة يأس، اقتحم مناطق الأكراد بالأسلحة الكيماوية، فحفز رغبتهم في الانفصال.
ولولا أن حبا الله مصر بمكون مسيحي نادر في وطنيته لعانت كالآخرين. اليوم، إذ يعلو ضجيج الأقليات العرقية والمذهبية في اليمن والعراق وليبيا وسوريا ولبنان، ويصير بعضها أذرعاً لإيران على الحواف العربية، فإن الدولة العربية تتجرع من ذلك الكأس المرير، كالعلقم، الذي كانت سقت منه تلك الأقليات طيلة القرن العشرين، عندما فشلت في دمجها واستيعابها، فصارت قنابل موقوتة داخلها، ومن ثم بات واجباً على كل منها، بسرعة وحسم، أن تغادر ذلك العقد الاجتماعي البدائي، إلى عقد اجتماعي حديث، قوامه المواطنة الدستورية، والحقوق الفردية، لتبدأ رحلة الخروج العربي الآمن من الكهف السياسي المظلم، أما الإبطاء والتردد فلن يفرزا سوى المزيد من التمزق والتشرذم.
[email protected]
أفضت نهاية الحرب الباردة وتواري التيارات الاشتراكية، إلى غياب الصراع الأيديولوجي (الكبير) حول معنى وحركة التاريخ،
بما يستثيره ذلك من جسارة وخيال وطموح إلى إعادة تشكيل العالم. ومن ثم انفتح الباب واسعاً أمام الصراعات «الصغيرة» حول المشكلات التقنية والقضايا الاستهلاكية والحسابات المادية العارية من أية قيم إنسانية، خصوصاً بعد أن تنازل اليسار السياسي في أوروبا عن طموحه إلى تغيير مجتمعاته، بجعلها أكثر عدالة وإنصافاً، وتواضعت مطالبه إلى الحد الأدنى فكاد يُعلن الاستسلام للرأسمالية الجديدة باسم الواقعية، كما انطوى اليسار الثقافي على نفسه خصوصاً بعد أن خفت صوت مدرسة فرانكفورت النقدية برحيل مؤسسيها الكبار: أدورنو وهوركهايمر وماركوزا حتى بدا يورغن هابرماس من الجيل الثاني (رحل الأسبوع الماضي)، عصفوراً وحيداً لا يكاد يصنع ربيعاً حقيقياً.
وهكذا فتح الباب أمام الأفكار المنغلقة وربما المحبطة، التي تدفع نحو تفكيك العالم، وصعدت الأصوليات الدينية كمعول هدم لكل ما تراكم من تراث فكري حول النزعة الإنسانية، ومع انكفاء الجيش الأحمر السوفييتي ولد التحدي الإرهابي ممثلاً تنظيم القاعدة ثم داعش.. إلخ، وبديلاً عن وحشية ستالين والنازي والفاشي وجدنا أنفسنا أمام همجية بن لادن وعبثية الزرقاوي.
كان الأدب السياسي الحديث قد ولد من رحم «عصر العقل»، واستبطن مُثل الحداثة، ودار الجدل بين أطرافه زمناً طويلاً حول دور «الإنتلجنسيا»، أي الطبقة المثقفة، في نشر الوعي الثوري، كما ولدت باسمه وتحت مظلته التنظيمات الطليعية/الحزبية التي تحلم بالثورة لتغيير مجتمعاتها، وتطمح إلى استلام السلطة وممارستها حال نجاح الثورة كما كان اليعاقبة إبان الثورة الفرنسية، والبلاشفة إبان الثورة الشيوعية.
لكن ومنذ التسعينات، ولج العالم عميقاً في عصر (الصورة)، فلم تعد الأفكار الكبرى مهمة للسياسي الجديد الذي بات جل جهده منصرفاً ليس إلى استلهام الأفكار الكبرى بل إلى حسن عرض الأفكار الصغرى، التي افتقدت للعمق، واكتفت بالمساحة، أي بحاصل ضرب طولها في عرضها، ومنذئذ صار العالم السياسي مسطحاً كبيراً، أما طلب السلطة والتنافس عليها فيتم بوسائل تُعوِّل على الإيهام والمراوغة والتحايل وليس على الإلهام والقيادة والإبداع، فلم يعد مطلوباً من السياسي تداول خطط معمقة وصياغة استراتيجيات معقدة قد لا يستسيغها الجمهور العريض أو لا يستوعبها العقل البسيط، بل يكفيه الإيماء بوعود براقة، يفضل أن تكون مبهمة.
في العقدين الماضيين، أحكمت وسائط التواصل الاجتماعي هيمنتها، فلم تعد ثمة مراكز إنتاج فكري رفيعة ولا مراكز بث معلوماتي موثوقة ولا جمهور واعٍ يستطيع نقد ما يتلقى، ليدخل العالم في حالة شبكية تتسم بفقدان المركزية، والتأثير الانعكاسي، ويدخل العقل السياسي في مرحلة ضمور، دافعها الرئيس أن مؤلف النص السياسي/ الإيديولوجي مات إكلينيكياً، فيما صعد القارئ/ الناخب تدريجياً على جسده، نعم تراجعت القيادات وتقدمت الجماهير، ولأن الجماهير الغفيرة لا تكترث بالأفكار المركبة أو العميقة، صارت الصورة والمشهد واللقطة أسياداً للموقف، وانفصلت السياسة عن القيمة.
كان تيار كبير في الفلسفة السياسية، منذ وضع أفلاطون كتابه التأسيسي «الجمهورية»، قد عبّر عن مخاوفه من النزعة الشعبوية، وأبدى شكوكه العميقة في الجماهير التي تفتقر للقدرة على تحكيم العقل، ويسهل وقوعها، من ثم، في خطر الغواية والخداع، فوضع نموذج الحكم الديمقراطي في المرتبة الدنيا بعد حكم الفرد المستنير «الملكي» وحكم القلة «الأرستقراطي». ورغم أن أفلاطون قد خفف حدة شكوكه في كتاب «القوانين»، حينما تصور أن الحكم الديمقراطي يمكن أن يكون جيداً بشروط أهمها التربية التي تُكسب الجماهير الحد الأدنى اللازم من ملكة الحكم على الأشياء، فإن الثورة التكنولوجية أثبتت أن ذلك نموذج الحكم الديمقراطي يظل قابلاً للانتكاس حتى بعد ثلاثة قرون على انتشار التنوير، وقرن من رسوخ الحداثة وسيادة العقلانية، هذا الواقع هو الذي أجاد دونالد ترامب، اغتنامه في الصعود إلى سدة البيت الأبيض، وفي العودة الاستثنائية إليه.
وعلى هذا صار الرجل تجسيداً لذلك النوع من الحكام الذين أخضعوا التاريخ لغريزة القوة، وأعادوا البشرية إلى حالة الطبيعة الأولى.
[email protected]
إذا كان للحرب الدائرة الآن في المنطقة من دروس مستفادة، فثمة درسان في المقدمة، الدرس الأول هو أن إيران ليست فقط نقطة تماس خليجي، بل مكون أساسي في نسيج المنطقة، ولذا تظل علاقتها بدول الخليج إشكالية متجددة تبحث عن حل دائم، لا يمكن أن يكون عبر السلاح، لقد أحسن الخليجيون إذ تصرفوا بحكمة إزاء الهجمات الإيرانية على بلادهم وبعض مصالحهم، ولم يندفعوا إلى الحرب معها، فأحبطوا حلم تحويل دول الخليج إلى طرف أساسي في حرب مع إيران. ارتكبت إيران، بلا شك، خطأً جسيماً لا يمكن تبريره، وإن أمكن فهمه باعتباره سلوكاً يائساً لدولة وجدت نفسها في مواجهة الآلة العسكرية الأقوى في العالم، وقد فقدت خلال الساعات الأولى للحرب عدداً كبيراً من قادتها السياسيين والعسكريين، على رأسهم المرشد الأعلى، قطب رحى النظام الحاكم، ما يعنى أنها واجهت خطراً وجودياً.
لقد كانت دول الخليج العربي ضد الحرب، وحذرت منها الولايات المتحدة، التي صمت أذنيها عن حديث العقل السياسي وتحذيرات الخبراء الاستراتيجيين، وانساقت إليها رغم تداعياتها الخطِرة.
يقتضي هذان الدرسان ضرورة التفكير الجاد في بناء نظام للأمن الجماعي الإقليمي، ينطوي على دول الخليج أساساً مع مصر والعراق، ويتسع لتركيا وباكستان استناداً إلى إدراكين أساسيين: أولهما أن غياب إيران عن أي إطار إقليمي، يجعلها أقرب إلى «فاعل شبح» يطرح تأثيراته من داخل فضاء مظلم، يمنحها فرصة التخفي ويعفيها من عبء الحساب، ومن ناحية هي قوة موجودة في ثنايا الإقليم، فاعلة في جل أزماته، لكنها في المقابل، غير مرئية بوضوح، يصعب حسابها لأنها غير محكومة بنسق ذي قواعد يتيح مساءلتها، نسيج من التفاعلات يقيدها، يحملها مسؤولية أفعالها غير الرشيدة، يرتب أثماناً يتوجب عليها أن تدفعها، على الأقل حرمانها من نسيج العلاقات الودية والمصالح المتبادلة الذي يحيط بها، وهنا يمكن سرد عشرات الحجج التي تؤكد على أن الموقف الاستراتيجي الذي تمتعت به إيران كفاعل شبح طيلة العقود الأربعة الماضية، كان أحد أكثر عناصر تفوقها السياسي.
وثانيهما: أن العرب لا يجب أن يشعروا بأي ضعف أو عقدة نقص إزاء إيران، لا ثقافياً ولا استراتيجياً، فمن منظور ثقافي يبقى العرب مصدر إلهام لإيران دينياً ولغوياً، فالمذهب الإمامي (الاثنا عشري) يرجع بكل رموزه إلى العنصر العربي من البيت الهاشمي القرشي. وأغلب مزاراتهم المقدسة تقع في العراق حيث تقع مراقد سبعة أئمة من الاثني عشر تقع بمدينتي النجف وكربلاء، ومن ثم فإيران التي يُنظر إليها على أنها مركز الثقل السياسي الشيعي كدولة، ليست هي القبلة الروحية للشيعة كمذهب، ومن منظور استراتيجي لا تملك إيران تفوقاً كاسحاً على جيرانها، فالسعودية والإمارات مجتمعتين تكادان أن يعادلاها في القوة العسكرية، وأن تتفوقا عليها في بعض المجالات كسلاح الطيران، خصوصاً وهى بلد محاصر منذ عقدين، تعانى إنهاكاً مادياً كبيراً، ويقتصر تسليحها الفعلي على التكنولوجيا الروسية، وتعتمد بالأساس على الصواريخ والمسيرات التي أثبتت جل دول الخليج نجاحاً لافتاً في التصدي لها.
أما مصر وحدها، ككتلة حيوية، وقدرة عسكرية، وخبرات قتالية فتعادل إيران مرة ونصف المرة، ما يعني أن محور الاعتدال العربي الممتد من مصر إلى الخليج يمثل أكثر من ضعف القوة الإيرانية، إذا ما أهملنا مؤقتاً قدرة العرب المغاربة، وأسقطنا قدرات الهلال الخصيب المعطلة..
ومن ثم فمشكلة العرب الحقيقية لا تكمن في ضعف قدراتهم تجاه إيران أو حتى إسرائيل ولكن في تشتت تلك القدرات، وقد آن الأوان لتجميعها، واستخدامها بكفاءة وفاعلية، ما يقتضي قدراً من التعاون وإنكار الذات، فالعودة إلى الأصل تظل دائماً ممكنة، والأصل هنا هو العروبة كهوية حضارية يتعين إعادة اكتشافها في قلب المحنة الاستراتيجية، وعلى الأقل تجربتها بصدق وإصرار ولو لمرة واحدة، بعد قطيعة طويلة بين العروبة كهوية ثقافية، وبينها كهوية استراتيجية، استمرت لأربعة عقود أعقبت احتلال العراق للكويت، حينما أخذ عرب كثيرون يشككون في مفهوم العروبة، بذريعة أنه لم يعد هناك وقت للحديث عن أمة إذا أردنا، كأوطان، اللحاق بالعصر، وهو فهم ثبت زيفه وصار واجباً العودة عنه.
[email protected]