المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به..
ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.
دَيْجور
الدَّيْجورُ: يعني الظُّلْمَةُ الشَّديدَةُ. وجمعها دَياجِرُ، ودَياجيرُ.
وهي من المفردات العابرة للعصور، حافظت على مدى أجيال على حضورها في المشهد اللغوي، ويمكن تتبع حضورها في عصر ما قبل الإسلام، فنجدها وردت في قول عَمْرُو بْنُ قَميئَةَ يَفْتَخِرُ:
ولَيْلٍ تَعَسَّفْتُ دَيْجورَهُ
يَخافُ بِهِ المُدْلِجونَ الخَبالا
كما امتد حضور المفردة في العصر الإسلامي، وعلى ذلك شاهد في ما قاله أَبو ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ:
«بَلَغَنا أَنَّ رَسولَ اللهِ عَليلٌ، فاسْتَشْعَرْتُ حُزْنًا، وبِتُّ بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ لا يَنْجابُ دَيْجورُها، ولا يَطْلُعُ نورُها، فظَلَلْتُ أُقاسي طولَها».
وامتدت أيضاً لتحضر في العصر العباسي، فيقول بَشَّارٌ بن برد يَذُمُّ الرَّقيبَ، وهُوَ يَتَغَزَّلُ بِمَحْبوبَتِهِ سَلْمَى:
ومُقْبِلٍ مُدْبِرٍ في وَجْهِهِ ضَخَمٌ
كَأَنَّهُ قُرْصُ زادٍ غَيْرُ مَكْسورِ
عَلَّلْتُهُ بِسِنانِ الرُّمْحِ مُنْفَرِدًا
دونَ الأَحِبَّةِ في سَوْداءَ دَيْجورِ
وفي عصر الدول والإمارات، نجد شاهداً في قول التَّلَّعْفَرِيُّ يَصِفُ حُسْنَ امْرَأَةٍ:
بِقَوامٍ كَأَنَّهُ الغُصْنُ والغُصْ
نُ رَشيقُ النَّباتِ غَضٌّ نَضيرُ
وجبينٍ كَأَنَّهُ ابْنُ ذُكاءٍ
فُكَّ عَنْ صُبْحِ وَجْهِهِ الدَّيْجورُ
وهكذا امتد حضور هذه المفردة على مدى عصور حتى وصلت للعصر الحديث، ونجد على ذلك شاهدا في قول البَهْكَلِيُّ يَصِفُ مَعْرَكَةً بَيْنَ الجَعافِرَةِ والعُثْمانِيّينَ:
«ولَمّا الْتَقى الحَيّانِ والْتَحَمَ القِتالُ، كانَتِ الدّائِرَةُ عَلى الجَعافِرَةِ، فوَلَّوُا الأَدْبارَ، ولَمْ يُنْجِهِمْ إِلّا الفِرارُ، وما زالَتْ خَيْلُ الشَّريفِ تَطْرُدُهُمْ حَتّى مَدَّ الظَّلامُ سُتورَهُ، وأَطْلَعَ اللَّيْلُ دَيْجورَهُ، فانْجَلَتِ المَعْرَكَةُ عَنْ قَتْلٍ كَثيرٍ».
غائِلَة
من مفردات العربية الفصيحة، ومعناها: الشَّرُّ والدّاهِيَةُ، وتعد من الكلمات الدالة على ثراء المفردات العربية وقدرتها على البقاء حية في التداول عبر الأزمنة، إذ نجدها قد تنقلت بين العصور محافظة على ذات المعنى التعبيري، ونجد على ذلك شاهداً من العصر الإسلامي، في قول حَسَّانُ بْنُ ثابِتٍ يَذِبُّ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها ويَذْكُرُ مَناقِبَها:
رَأَيْتُكِ وليَغْفِرْ لَكِ اللهُ حُرَّةً
مِنَ المُحْصَناتِ غَيْرَ ذاتِ غَوائِلِ
وفي العصر العباسي استمر المعنى والدلالة، وعلى ذلك شاهد من قول ابْنُ المُقَفَّعِ في كتابه كليلة ودمنة يَذْكُرُ قِصَةَ رَجُلٍ مَعَ جَماعَةِ لُصوصٍ:
«فلَمّا حَصَلَ الرَّجُلُ عِنْدَهُمْ، وأَمِنَ على نَفْسِهِ مِنْ غائِلَةِ الذِّئْبِ، رَأَى على عُدْوَةِ الوادي بَيْتًا مُفْرَدًا».
وتحضر المفردة ايضا في عصر الدول والإمارات، ويقول أَبو شامَةَ المَقْدِسِيُّ:
«اخْتارَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمُ الاقْتِصارَ على اللَّفْظِ المُنْزَلِ المأْذونِ في كِتابَتِهِ، وتَرْكَ الباقي لِلخَوْفِ مِنْ غائِلَتِهِ».
وتحافظ المفردة على حضورها في المشهد اللغوي حتى العصر الحديث، قالَ ضِياءُ الدِّينِ الكَمْشَخانَوِيُّ يُحَذِّرُ مِنْ مُتَنازعاتِ الدُّنْيا:
«فمَنْ بَغِضَها وتَرَكَ حُظوظَهُ مِنْها، سَلِمَ مِنْ غائِلَةِ الحَسَدِ والمُنازَعَةِ الَّتي هِيَ أَصْلُ كُلِّ داءٍ».
اشْتَطَّ
وَرَدَ الجَذْرُ (ش ط ط) في عَدَدٍ مِنَ النُّقوشِ العَربيّةِ الجَنوبِيّةِ، مِنْ بَينِها نَقْشٌ قَتبانِيٌّ يَعودُ تاريخُهُ إلى فَتْرةِ ما بَينَ القَرنَينِ الثّاني والثّالِثِ الميلاديِّ (BM 141588/1).
ومن هذا الجذر اللغوي نجد الفعل (اشْتَطَّ) وهي مفردة تستخدم للتعبير عن تَجاوُزُ الحَدِّ في الشَّيْءِ، فيقال اشْتَطَّ فُلانٌ في الثَّمَنِ وغَيْرِهِ: أي بمعنى إذا بالغ في تقديره وتجاوز الحد المعتاد فيه، كما تُستعمل المفردة في سياقات أخرى للدلالة على الغلو والمغالاة في الطلب أو التقدير.
وتحضر المفردة في شواهد لغوية تعود إلى مراحل مختلفة من تاريخ العربية، بما يتيح تتبع استمرارها في الاستعمال وتطور توظيفها في سياقات متعددة، ونجد على استخدامها شاهداً في عصر الإسلام، فيقول ابْنُ عَبّاسٍ يَذْكُرُ احْتِجامَ النَّبيّ:
«احْتَجَمَ وأعْطى الحَجّامَ أجْرَهُ واشْتَطَّ».
وتحافظ هذه المفردة على حضورها حتى العصر الحديث، ليعكس هذا الامتداد قدرة المفردات العربية على الاحتفاظ بأصل معناها، مع اكتساب دلالات أكثر تحديداً بحسب المجال الذي ترد فيه، ومن شواهد استخدامها في العصر الحديث قول جَوادُ عليٍّ يَتَحَدَّثُ عَنْ الرِّبا في الجاهِليَّةِ:
«قَدِ اشْتَطَّ أهْلُ المالِ في الاسْتِفادَةِ مِنَ المُقْرضينَ، فَتَقاضَوْا مِنْهُمُ الرِّبا الفاحِشَ».