في فلسطين، لا تقاس مواسم الزيتون بحسابات البيدر، ولا بوزن المحصول في المعاصر، بل تقاس بالهوية والتجذر في الأرض. فالزيتون ليس مجرّد شجرة تؤتي أُكلها كل عام، بل هو شاهد تاريخي وشريك في البقاء، ومورد تعتمد عليه نحو 100 ألف عائلة لتأمين قوت يومها، وبناء مستقبل أبنائها، غير أن هذا الموسم الذهبي، الذي طالما كان عرساً، اجتماعياً واقتصادياً، يجمع العائلات، يتلاشى اليوم تحت وطأة ممارسات استيطانية ممنهجة، مدعومة من الحكومة الإسرائيلية، تحاول خنق الحياة في مهدها.
ما يجري في حقول الضفة الغربية وقطاع غزة لم يعُد مجرّد اعتداءات عابرة، بل يتجاوز ذلك ليصبح استراتيجية تهدف إلى ضرب مقومات الصمود الفلسطيني، فاقتلاع نحو 285 ألف شجرة زيتون، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لم يكن محض مصادفة، أو سلوكاً فردياً طارئاً، بل ينطلق من عقيدة تجريف الأرض لتصحيرها، قانونياً وسياسياً، فالقانون العسكري الإسرائيلي غالباً ما يستهدف الأراضي البور والمتروكة، لإعلانها بما يسمى «أملاك دولة»، ومن هنا يصبح تحويل الحقول الخضراء إلى أراض مهجورة وسيلة صريحة وجديدة لمصادرتها، وتوسيع الرقعة الاستيطانية.
الخسائر الناجمة عن هذه الاستراتيجية تجاوزت حدود الأرقام المالية، على الرغم من ضخامتها، حيث بلغت خسائر المحصول وحدها أكثر من 316 مليون دولار، في أربع سنوات، في حين أن الخطر الأكبر يكمن في عزل المزارعين عن أراضيهم، إذ إن نحو 200 ألف دونم باتت تقع في نطاق خنق استيطاني، وخلف جدار الفصل العنصري، ما يحرم ما يقارب ربع الأشجار المثمرة من الرعاية والقطاف. وفي قطاع غزة، تبرز الصورة الأشد قسوة بعد إبادة نحو 90% من الثروة الشجرية هناك، لتتحول المساحات الخضراء التي كانت مصدر رزق إلى صحراء قاحلة.
تتضح هنا فلسفة التضييق الاقتصادي بصفتها أداة لإجبار الفلسطيني على ترك أرضه، فالزيتون الذي يشكل جزءاً رئيسياً من الدخل القومي الزراعي لم يعد ينظر إليه كمحصول، بل كعنصر تثبيت للسكان. وعندما يحرم المزارع من الوصول إلى حقله، أو تحرق أشجاره تحت مرأى ومسمع القوات التي تحمي المستوطنين، فإن الرسالة السياسية تكون واضحه: ضرب البيئة المعيشية لدفع الناس نحو الهجرة أو الابتعاد عن المناطق المصنفة «ج».
الشجرة التي صمدت عقوداً في وجه التقلبات المناخية تجد نفسها اليوم في مواجهة سياسة تفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وتحويل القرى والحقول إلى معازل تخدم رؤية أشمل تهدف إلى رسم واقع ديموغرافي وجغرافي جديد على الأرض، يضعف أي إمكانية لقيام مجتمع متماسك ومكتفٍ ذاتياً.
يبقى السؤال المعلّق أمام المجتمع الدولي: إلى متى يترك الجذر الفلسطيني يُقلع في وضح النهار؟ فحماية الزيتون ليست دفاعاً عن زراعة أو تجارة، بل هي دفاع عن أصل الوجود الإنساني في هذه الأرض، وما دامت الحقول تُستهدف بذات الشراسة التي تُستهدف بها المدن والقرى، فإن المعركة على الأرض ستظل جوهر الصراع وأساسه، ولن يكتمل أي حديث عن السلام ما دامت الشجرة التي ترمز إليه تحرق، أو تقتلع كل يوم.
