الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

دعوهم يعيشون طفولتهم

17 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 17 أكتوبر 2026 00:05 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
كنت أتجول في مركز للتسوق، والتقيت بصديق برفقة ابنه الذي لم يتجاوز العاشرة، وبعد السلام، عرفني بابنه، فسلمت عليه، وأخذ والده يحدثني بفخر عن ذكائه وتفوقه، ودورات الكمبيوتر، والأنشطة الرياضية، واللغات التي يتعلمها، وأنه يفكر في تسجيله بدورة للبرمجة، أشدت باهتمامه بابنه، وودعتهما، لكنني تساءلت هل يجد هذا الصغير وسط كل هذه الأنشطة وقتاً يلعب فيه ويستمتع بطفولته؟
لم يعد مستغرباً أن تسمع أحد الآباء يتحدث عن إنجازات ابنه، وكأنه يستعرض سيرة شخص يستعد لدخول سوق العمل، وربما لا يتجاوز عمر الطفل سبع سنوات، ومع ذلك أصبح لديه جدول لا يختلف عن جدول موظف.
لا شك أن اهتمام الآباء بتعليم أبنائهم وتنمية مواهبهم أمر محمود، لكن التنافس بين الأسر جعل التفوق المبكر هاجساً، وأصبح الآباء يقارنون أبناءهم بغيرهم، ويخشون أن يفوتهم ما يتعلمه الآخرون.
في مجتمعنا تتوفر فرص تعليمية ورياضية وثقافية لم تكن متاحة للأجيال السابقة، لكن كثرة الخيارات لا تعني إشغال أطفالنا بها جميعاً، فإذا التحق ابن أحد الأصدقاء بدورة للبرمجة، سارع آخرون إلى تسجيل أبنائهم فيها، وإذا تعلم طفل لغة إضافية، شعرت أسر أخرى بأن عليها فعل الشيء نفسه، حتى أصبحت بعض الأنشطة استجابة للمقارنات أكثر من رغبة الطفل.
ومع تنافس المدارس والمراكز في تقديم الأنشطة، قد يشعر الأب والأم بأن وقت الفراغ فرصة ضائعة، مع أنه قد يكون أكثر ما يحتاج إليه الطفل.
أتذكر طفولة أجيالنا، حين كنا نعود من المدرسة فنجد وقتاً للعب مع أبناء الفريج، وركوب الدراجات، وزيارة الأقارب، لم تكن أيامنا مملوءة بالدورات، ومع ذلك تعلمنا التعامل مع الآخرين، وتحمل المسؤولية، وحل خلافاتنا، وتكوين صداقاتنا.
ولا يعني ذلك أن طفولتنا كانت أفضل في كل شيء، فقد تغير العالم، وأصبح من حق أطفال اليوم الاستفادة من إمكاناته، لكن اللعب والوقت مع الأسرة والأصدقاء ليسا أقل أهمية من الدروس، فهناك أشياء نتعلمها من الحياة ولا نجدها في الدورات.
وأخشى أن يؤدي انشغالنا باختيار ما يتعلمه أبناؤنا إلى إغفال ما يحبونه، فقد يتفوق الطفل في نشاط لإرضاء والديه، بينما تكون موهبته في مجال آخر لم يكتشفه.
ومن حق الآباء أن يطمحوا إلى مستقبل أفضل لأبنائهم، لكن من المهم الاستماع إليهم، ومعرفة ما يحبونه وما يستطيعون تحمله، وألاّ نربط نجاح تربيتنا بعدد الدورات والشهادات.
وقبل تسجيل أبنائنا في نشاط جديد، لنسألهم عمّا يريدون، ولننظر إن كان في يومهم وقت للراحة واللعب مع الأسرة، فنحن نبذل الكثير لنضمن لأبنائنا حياة جميلة عندما يكبرون، لكن علينا ألاّ ننسى أن لهم حياة يعيشونها اليوم، وأن طفولتهم إذا مضت فلن تعود، مهما حققوا من نجاح.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة