أتاح لي عملي في مجال علوم المعلومات والمكتبات الترقب الذكي المستمر للإصدارات الحديثة دوماً، وهذا بطبيعة الحال من الحس العالي لدى أمناء المكتبات الذين يحملون رسالة نبيلة؛ منها التزود بالمعرفة ومواكبة كل جديد في المجال الثقافي والأدبي والفكري وعكسه وترجمته إلى القراء. إنه التحفة الفكرية التي تعتبر خلاصة التجارب العظيمة التي دوّنها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في كتاب «الرسائل» الصادر في الأول من أكتوبر 2026 بالمكتبات في الدولة، وهو بمثابة الجزء الثاني من كتابه الشهير «علمتني الحياة».
سأتناول اليوم رسالة من هذا الكتاب، ألا وهي الوفاء للجذور واحترام القدوة، والالتزام بالهوية الوطنية قيماً جوهرية في تشكيل شخصية الأفراد وبناء مجتمعات ناجحة. حيث تشكل هذه المبادئ ركيزة أساسية في الرؤية الأدبية والفكرية لسموّه الذي تعكس كتاباته أهمية التراث والقيادة والدروس المتوارثة.
ويتيح الكتاب الجديد فرصة للتأمل في العلاقة الراسخة بين ماضي الوطن ومستقبله في عالم يشهد تغيرات متسارعة؛ حيث تعيد التكنولوجيا الحديثة والتأثيرات العالمية تشكيل أنماط الحياة. لذا تكتسب رسالة الحفاظ على الارتباط بالأصول أهمية خاصة؛ حيث يعدّ التراث مصدراً للقوة والحكمة والتوجيه للأجيال التي ستقود المستقبل؛ حتى وإن نظر إليها البعض باعتبارها ذكرى للماضي.
يبدأ كما ذكر في الكتاب أهمية الوفاء للجذور بفهم القيم والتقاليد والتضحيات التي صاغت هوية المجتمع. وفي دولتنا الحبيبة يشكل إرث جيل المؤسسين أساساً متيناً للوحدة الوطنية والطموح والتقدم. ولا تقل أهميةً عن ذلك أدوار القدوة في إلهام الشباب فالقادة والآباء والمعلمون والشخصيات المجتمعية يؤثرون في كيفية استيعاب الأجيال القادمة لمفاهيم المسؤولية والنزاهة وخدمة المجتمع.
ومن خلال التركيز على القيم والقيادة ينسجم مضمون الكتاب مع التزام الدولة بإعداد مواطنين واثقين ومسؤولين، فالشباب بحاجة إلى الشجاعة لتبني أفكار جديدة مع الحفاظ على احترام تاريخهم وتراثهم الثقافي، ولزام هذا التوازن الذي يتيح لهم المشاركة بثقة في المجتمع العالمي مع الحفاظ في الوقت ذاته على الهوية التي تمنح وطنهم طابعه المتميز.
كما ينبغي ألا يفهم الوفاء للجذور على العكس تماماً، فهو بمثابة بوصلة تتيح التعامل مع التغيير بحكمة من خلال تقدير الأشخاص الذين صاغوا مسيرة حياتهم واستلهام الدروس من تجارب النماذج الملهمة؛ حيث يستطيع الأفراد بناء مستقبل راسخ يرتكز على الغاية والمسؤولية. وتأتي الفكرة الرئيسية في الرسالة واضحة وجلية بمعنى آخر يكتسب التقدم مغزى أعمق حين يظل مرتبطاً بالهوية وتصبح القيادة أكثر ديمومة ورسوخاً حين تلهم الآخرين لاتباع نهج قوامه العطاء والنزاهة والاعتزاز بالوطن.
