من القصص التراثية التي كانت والدتي تحكيها لنا حين كنا صغاراً، حكاية «سيف الصهالي»، التي لم تكن مجرد قصة نسمعها قبل النوم، بل حكاية تختزن بين أحداثها معاني الشجاعة والوفاء والغدر والحسد، وتكشف كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز المحن بقوته وحسن تدبيره.
تروي الحكاية أن فتاة صغيرة كانت ترعى الأغنام، ولها ثلاثة إخوة، وكانت تردد أغنية شعبية تستدعي بها ساحر الكهف، حتى خرج إليها وسحبها إلى داخله. وكانت معها سخلة صغيرة لا تفارقها، وضعت في قرنها خاتمها، فكانت السخلة الدليل الذي قاد إخوتها إلى مكان احتجازها.
دخل الإخوة الثلاثة تباعاً لإنقاذ شقيقتهم، لكن الخوف غلب الأخوين الأكبرين، بينما تحلّى الأصغر بالشجاعة والذكاء، فلم يكتفِ بمحاولة إخراج أخته، بل استعان بها للاستيلاء على سيف الساحر. وتمكنا من قتله وتحرير المحبوسين في الكهف، والاستيلاء على كنوزه. وزّع الأخ الأصغر ما وجده من ذهب ومجوهرات على إخوته، واحتفظ لنفسه بسيف الساحر، الذي عُرف باسم «سيف الصهالي».
غير أن القصة لم تنتهِ بانتصار الخير على الشر، فحين رأى الأخوان أن الأصغر يتفوق عليهما، دبّ الحسد في قلبيهما، وتآمرا عليه وألقياه في بئر عميقة. وهناك بدأت رحلته الأصعب، إذ وجد نفسه في عالم آخر، واجه فيه أمّ سبعة رؤوس، وتمكن بسيفه من القضاء عليها وإنقاذ طفل كان مهدداً بالهلاك.
وحين خُيّر في مكافأته، طلب «برحة الدنيا»، فعُهد إلى نسر بإعادته إلى الأرض، حتى وصل إليها سالماً.
حكاية شعبية اختصرتها، لكنها تختزن أكثر من درس، فالشجاعة لا تكفي وحدها ما لم تسندها الحكمة وحسن التدبير، والتسلح بأقوى الوسائل الممكنة.
أما الدرس الآخر، فيكمن في الأخوين اللذين لم يتقبّلا تفوق شقيقهما، فبدلاً من أن يكون نجاحه مبعث فخر لهما، دفعهما الحسد إلى الغدر به. وهي مفارقة تستحق التأمل، فكيف يتحول تميز الأخ إلى سبب للعداوة، بدلاً من أن يكون دافعاً للاقتداء به والتقدم؟ فالأخوة الحقيقية لا تقوم على أن يتساوى الجميع في قدراتهم وإنجازاتهم، بل على أن يفرح كل منهم بنجاح الآخر، وأن يكون التفوق سبباً للتكامل والتكاتف، لا للخصومة والإقصاء.
وهكذا كانت أمهاتنا وجداتنا يروين لنا الحكايات، فتبقى تفاصيلها في الذاكرة، وتظل حكمتها صالحة لكل زمان، فالسيوف تتغير، وتتطور أدوات القوة، لكن الحاجة إلى مواكبة العصر لا تتغير، كما أن الحسد يظل قادراً على إفساد أقرب العلاقات. وبين سيف الأمس وأدوات اليوم، تبقى العبرة في أن نمتلك أسباب القوة والتقدم، وألا نجعل نجاح الآخرين، حتى أقرب الناس إلينا، سبباً لعداوتهم، بل حافزاً لنا كي نتقدم معهم لا عليهم.
hissasaif@
