الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
الرؤية تتجاوز حدود البصر

الحرف العربي.. نبض المعنى ولغة الروح

25 أكتوبر 2026 00:21 صباحًا | آخر تحديث: 25 أكتوبر 2026 00:23 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
عمل للفنان عبد الفتاح طه
عمل للفنان عبد الفتاح طه
icon الخلاصة icon
ملتقى الشارقة للخط يعرض تجارب تبرز طاقة الحرف العربي عبر توازن الحرف واللون والزخرفة في أعمال عبد الفتاح طه وشيماء دوزنلي ومحمد الحداد
لا يزال ملتقى الشارقة للخط منذ انطلاقته الأولى إلى اليوم، من أبرز المحطات التي تلهم الخطاطين والفنانين العرب لابتكار فضاءات جديدة تستفيد من طاقة الحرف العربي الذي أصبح بمرور الزمن يغادر شكله التقليدي، وفق رؤى تعبيرية وعصرية، يحرص مبدعوها على إبراز جماليات هذا الحرف في حلة زخرفية ولونية جاذبة للانتباه، من خلال ما يمتاز به من بعد روحي وإيماني، في هذا الإطار، نقف عند ثلاث تجارب أخرى مشاركة في الدورة الثانية عشرة من ملتقى الشارقة للخط التي تعقد تحت شعار «ميزان».
الآية القرآنية: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ» من سورة البقرة، هي واحدة من اللوحات التي قدمها الخطاط المصري عبد الفتاح طه، في الملتقى، وحرص من خلالها على تكوين فني تآلفت فيه عناصر الحرف واللون والزخرفة والتشكيل في بناء فني متماسك، ليقدم من خلال ذلك حواراً بصرياً معتمداً بشكل رئيسي على قوة ودلالة اللون خاصة في بناء كتلة النص التي جاءت باللون الأحمر في شكل بيضوي، ومستندة على أرضية باللون الذهبي، يحوطها إطار زخرفي من تدرجات الأحمر الأقل كثافة والقريب من اللون الذهبي.
هذا التكوين الفني من الحرف واللون والزخرفة، يؤدي وظيفة جمالية متكاملة، فالحرف هو مركز التكوين، الذي يمتد ليشغل مساحة وافرة وواضحة لعين المتلقي، حيث تتجلى جمالياته في امتدادات وتشابكات حروفه وانحناءات بعضها، وفي هذا التشكيل الفني والهندسي للحرف، يبرز الفنان عبد الفتاح طه الطاقة التعبيرية للحرف، كما يعمق من حضوره، مستكملاً هذا الحضور في فضاء بصري جميل يعتمد بشكل رئيسي على دلالات وقوة اللون الأحمر، وتلك الزخرفة التي جاءت من نسيج تدرجات اللون المركزي في اللوحة.
الزخرفة التي اعتمدها الفنان ليست لغرض تزييني، بل من صلب النسيج البصري للوحة، حيث أضفت عمقاً جمالياً وحيوية ديناميكية على اللوحة، وساعدت التدرجات اللونية لتلك الانحناءات اللينة في الزخرفة على إظهار متانة النص، حيث بدت حروفه وكأنها تتحرك أو تنبض بالحياة، وهذا منح التكوين الفني في هذا العمل فخامة وهيبة وجاذبية برزت في حرفية هذا التشكيل المتوازن والمدهش.
اللوحة الثانية هي للفنانة التركية شيماء نور دوزنلي، بعنوان «المرء مع من أحب»، وهو حديث شريف نفذته الفنانة شيماء بالخط الثلث الجلي، وفي هذه اللوحة حرصت على تكوين فني يمتاز بالبساطة فالكتلة الخطية جاءت باللون الأسود على أرضية من اللون البيج الفاتح.
في هذه اللوحة برعت الفنانة شيماء دوزنلي في بناء علاقة جمالية وبصرية تتجاوز هذا التضاد بين اللونين (الأسود والفاتح) لتكشف عن أهمية التشكيل الذي أضاف لبناء اللوحة تناغماً بصرياً، حيث التشكيل هنا لغة قائمة على التوازن ما بين الكتلة والفراغ، وهذا يولد إيقاعاً بصرياً معبراً من خلال الدور الذي تتبادل فيه المساحات أدواراً متوازنة ومدروسة، حيث يكون الأسود ليس مجرد كتلة معتمة، ولا اللون الفاتح مجرد مساحة محايدة، بل إن مزيج هذين اللونين حول كل منهما إلى عنصر فاعل في صياغة المعنى الذي يشير إليه الحديث النبوي الشريف.
نجحت الفنان شيماء دوزنلي في هذه اللوحة في الكشف عن الجوهر التعبيري الذي تختزنه هذه الثنائية اللونية، فمنحت اللون قيمة تشكيلية تضيء، على قوة الأسود في تلك المساحة المتوازنة بصرياً، وقد جسدت هذه اللوحة التي تجمع بين الهيبة والروحانية، وبين الجمال والانسيابية، ما يمكن اعتباره نموذجاً متميزاً لفن الخط العربي.
لوحة الفنان محمد فاروق الحداد
لوحة الفنان محمد فاروق الحداد

الخط والزخرفة

أما المشاركة الثالثة فهي للخطاط السوري محمد فاروق الحداد الذي قدّم مشاركة آسرة ل«البسلمة» بالخط الثلث الجلي على ورق مقهر وزخرفة تسمى «هلكار».
تجسد لوحة محمد فاروق قيمة فنية ودلالية فائقة الجمال، فنحن أمام تكوين فني يتشكل من قوة الحرف بشكل رئيسي، ومن الزخرفة الإسلامية النباتية في المرتبة الثانية، هذا التكوين يتجلى في تلك البراعة البصرية التي نفذها الفنان، من خلال استيعابه لبنية الحرف العربي خاصة في خط الثلث وأبرز تفرعاته في الثلث الجلي، أما الزخرفة فقد لعبت دوراً لا يستهان به في الإضاءة على قوة الحرف من حيث الشكل، وإذا كانت قوة البسملة كامنة في معناها الذي يفتتح كافة سور القرآن الكريم، فإنها في هذه اللوحة، من خلال اللون الأسود الذي يبرز كتلة «البسملة» على خلفية فاتحة تسندها، وتسهم بدورها في تعزيز إشراق النص الذي يتجسد في معاني كلماته، كل ذلك داخل إطار زخرفي مستطيل باللون البني الغامق، الذي تحوطه تدرجات من اللون البني الأقل كثافة لونية.

تدرجات

التوزيع المدروس لهندسة الزخرفة من تدرجات اللون،   منحت هذه الأعمال أسلوباً تعبيرياً متفرداً، فالتكوين تشكل في اللوحات بتوازن مضبوط منح عين المشاهد فسحة واضحة من الراحة، وهي تتنقل بين النص والزخرفة.
واللافت أيضا في هذا الأعمال، قدرتها على جذب عين المشاهد لقوة النص، من خلال تلك المرونة الواضحة في تشكيل حروفه، وتشابكاتها، ما أضاف للتكوين إحساساً بالفخامة والصفاء، تجسد في عمل رصين يذكر بالأعمال الجميلة التي ترسخ في وجدان وعقل المشاهد.
عمل الفنانة شيماء نور دوزنلي
عمل الفنانة شيماء نور دوزنلي

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة