مثلما تحظى الإمارات بمكانة عالمية كدولة وسطية وحيوية ومنفتحة، تحظى دبلوماسيتها بتقدير كبير في مختلف العواصم والمنظمات الأممية، ولها سمعتها وسجلها في إرساء العلاقات البناءة مستندة إلى نهج ثابت في تعزيز قيم التسامح والسلام والتعايش المشترك، واعتماد الحوار سبيلاً لتحقيق الأمن والاستقرار العالميين.
وفي واقع دولي يموج بالأزمات والصراعات، تبدو الإمارات منارة تضيء مسارات السلام في المنطقة والعالم، وتجسد نموذجاً حياً للدولة التي تحوّل الأزمات إلى فرص للبناء والتقارب، وتسخّر دبلوماسيتها النشطة لنزع فتيل النزاعات والتوسط في أكثر الملفات تعقيداً، مثل الأزمة الأوكرانية، وهي الأخطر التي تواجهها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وامتدت تداعياتها السلبية لتمس عصب الأمن الدولي والاقتصاد، وباتت تهدد باندلاع صدام واسع النطاق.
ولأن مثل هذه الأزمات لا يمكن حلها عسكرياً لخطورة النتائج، فإن الدبلوماسية الإماراتية تقدم الخيار الأسمى والبديل الأكثر واقعية عبر استثمار علاقاتها المتوازنة مع الطرفين الروسي والأوكراني؛ لفتح قنوات الحوار وتخفيف حدة الأزمة المشتعلة، وقد نجحت الإمارات في إنجاز 27 عملية وساطة إنسانية أسفرت في أحدث محطاتها عن إطلاق سراح 540 أسيراً مناصفة، ليرتفع إجمالي الأسرى والمحتجزين الذين شملتهم الجهود الإماراتية إلى 8537 أسيراً.
ولأنها تحظى بثقة الشركاء الدوليين، وفي صدارتهم الولايات المتحدة، التي تبذل جهوداً لإنهاء الحرب بين موسكو وكييف، تم اختيار العاصمة أبوظبي مجدداً لعقد جولة مفاوضات روسية أوكرانية مباشرة بوساطة أمريكية خلال النصف الأول من شهر نوفمبر المقبل، استكمالاً لجولتين سابقتين عقدتا في يناير وفبراير من هذا العام.
احتضان أبوظبي، مرة أخرى، جولة ثالثة من محادثات حساسة ومصيرية بين روسيا وأوكرانيا، يؤكد أن الإمارات تستحق عن جدارة مكانتها كمركز عالمي لصناعة السلام والاستقرار، ويبرهن على ثقة دولية متينة بدبلوماسيتها الحيوية وبرؤية قيادتها الحكيمة في استشراف آفاق الحلول السياسية للأزمات المعقدة. ويعكس هذا الدور الاستراتيجي التزام دولة الإمارات بمبادئها الخارجية التي تضع الحوار والدبلوماسية الإيجابية كركائز أساسية للتعاون الدولي، وهي مكانة نسجتها عقود من المصداقية والشفافية والمبادرات الفعالة لمعالجة أكثر القضايا تشابكاً بهدف بناء سلام مستدام يعزز استقرار النظام الدولي.
الجانبان الروسي والأوكراني، يحفظان للإمارات مواقفها المتزنة التي لم تتأثر بضغوط الاستقطاب الدولي، ويثمنان عالياً حرصها الصادق على صون الكرامة الإنسانية وإعلاء لغة العقل. كما أن الوسيط الأمريكي ينخرط في هذه المحادثات مستنداً إلى شراكة استراتيجية مع الإمارات، تسمح بتوفير بيئة سياسية وأمنية ملائمة لإيجاد تفاهم يمهد للحل في أوكرانيا، ويتجاوز العقبات التي أفرزتها سنوات من الاستعصاء السياسي والتصعيد الميداني.
ويُمكِن للتقاطع الإيجابي بين الأطراف الثلاثة، موسكو وكييف وواشنطن، أن يحدث اختراقاً طال انتظاره في الجولة المرتقبة في أبوظبي، وقد يحمل أولى البشائر لإنهاء هذا الصراع الخطير، ويساعد على رسم ملامح نظام أمني وسياسي يؤسس لاستقرار مستدام يحمي الاقتصاد والأمن العالمي من مخاطر الانزلاق نحو صدام أوسع.