المفكر وعالم الفيزياء الكمية باساراب نيكوليسكو، انشغل بالذكاء الاصطناعي قبل نحو عقد من الزمان، والغريب، بل، الجميل في هذا العقل العلمي، أنه ومن خلال الفيزياء، وضع كتاباً شعرياً فكرياً فلسفياً بعنوان «أطروحات شعرية»، نقله إلى العربية أدونيس وحورية عبدالواحد (إصدارات التكوين 2020)، وفي الكتاب يتحدث نيكوليسكو عن الذكاء.. يقول «الذكاء قدرة على قراءة ما بين سطور كتاب الطبيعة، أما الذكاء الاصطناعي فمفهوم مناقض للطبيعة، كما يشير اسمه، وهو يعني حفظاً حرفياً للذكاء»، أي أنه الحفظ الآلي أو الرقمي للذكاء، ومن المعروف أن الذكاء البشري هو الذي اخترع أو رَبّىٰ الذكاء الاصطناعي، وأن جذور هذا الذكاء الذي يشغل العالم الآن بوصفه ثقافة بعد، وما بعد الحداثة، تعود إلى صنع البكرة، والمنجنيق، والكهرباء، والمصباح الكهربائي، والمطبعة والراديو والتلفزيون واللاسلكي وغيرها من مخترعات القرون الوسطى وما قبلها، وما بعدها.
كل هذه المخترعات وجدت على يد وعقل الإنسان، وعندما أخذت تعمل بدلاً من يد الإنسان، أصبحت بالضرورة آلات أو أدوات ذكية، لأنها أسهل وأسرع.
بهذا المعنى، فالذكاء الاصطناعي يأخذ من الإنسان، وفي الأدب والصحافة بشكل خاص، فإن الوضع الثقافي الصحيح هو أن يأخذ الذكاء الاصطناعي منك، لا أن يعطيك.
الذكاء الاصطناعي في الأدب والصحافة يعيد إنتاج وتدوير المادة التي كتبها الإنسان، ويقدّمها إليه على أنها مادّته هو، أي مادة الذكاء الاصطناعي، في حين أن أصل هذه المادة هو ذكاء بشري، لأنه هو الذي أنتجها، وما دور الذكاء الاصطناعي سوى إعادة إنتاج هذه المادّة بذلك التوليف الذي يبرع به، ويقدّمه بسرعة.
فظيعة تلك الكارثة الأدبية والثقافية والأخلاقية التي يقع فيها الكثير من الكُتّاب والأدباء والصحفيين، وذلك حين يعتمدون كلياً في عملهم اليومي على توليفات ولملمات الذكاء الاصطناعي، ويتركون الميدان، وأقصد بالميدان، ميدان القراءة، وميدان الكتاب، وبخاصة الكتاب القديم، الكتاب المخطوط، والكتاب المرجع، والكتاب الوثيقة، والكتاب الموسوعة، والكتاب المعجم.
أسمّي المادة الثقافية أو الصحفية أو الإعلامية التي يصوغها الذكاء الاصطناعي بـِ(اللملمة)، فهو يلمّ جملة من هنا إلى جملة من هناك، والذكاء الاصطناعي إذا كان ذكياً فهو ذكي فعلاً في فن الكولاج، فن التجميع والقَصّ واللزق.
الذكاء الاصطناعي في الأدب وفي الصحافة وفي الثقافة الإبداعية تخصيصاً هو (لملام) أو (لمّام)، والكاتب أو الصحفي الذي يتبنى في عمله هذا النظام الجديد، تسقط عنه فوراً صفة الكاتب، وتستبدل فوراً هذه الصفة، بصفة جديدة هي: (اللملام).. والسلام.
