أستمتع بحوارات مجلة «باريس رفيو» التي ترجمها وقدّم لها أحمد شافعي، لا بل أتعلم فن الحوار الصحفي الثقافي في مجلة عريقة تأسست في العام 1953، لكن المجلة لم تعش أكثر من ستين عاماً، وكأنما شاءت لها الظروف أن تنتهي عند نهاية كبار الأدب من شعراء وروائيين طبعوا القرن العشرين ببصماتهم العظيمة، وكما نعلم، لا توجد بصمة بشرية تشبه الأخرى، من همنجواي، وإلى ميلر، إلى بورخيس، إلى كونديرا، إلى نجيب محفوظ..
في المجلة نقرأ حوار تشارلوت الشبراوي مع صاحب نوبل العربي الوحيد إلى الآن، وكان الحوار في العام 1992، هنا، اقرأ المقدّمة وتأمل شفافية التقديم للحوار وخفّته، وعمقه: «محفوظ على المستوى الشخصي متحفظ إلى حدّ ما، ولكنه دائماً صريح ومباشر، يضحك كثيراً، ويرتدي بذلة زرقاء عتيقة الطراز، يغلق جميع أزرارها، يدخن، ويحب القهوة مرّة».
«متى بدأت الكتابة؟ سنة 1929 رُفضت جميع قصصي، كان سلامة رئيس تحرير المجلة الجديدة يقول لي: أنت موهوب، ولكنك لم تصل بعد، وأذكر جيداً سبتمبر من عام 1939، فقد كانت بداية الحرب العالمية الثانية بهجوم هتلر على بولندا، نشرت قصتي «عبث الأقدار»، فكانت تلك هدية ومفاجأة من ناشري المجلة الجديدة، كان ذلك حدثاً ذا أهمية هائلة في حياتي».
ولكن من هم شلّة الحرافيش الشهيرة، والتي ستكون موضوع العشرات من الأحاديث الصحفية مع محفوظ؟ يقول صاحب «اللص والكلاب»: تعرفنا للمرة الأولى سنة 1943: مصطفى محمود، أحمد بهاء الدين، صلاح جاهين، محمد عفيفي، كنّا نتناقش في الفن والأحداث السياسية الجارية، الحرافيش تعني «النهّابين» الذين يجدهم المرء على أطراف المظاهرات مستعدين للنهب عندما تسنح أوّل فرصة، هؤلاء هم الحرافيش الممثل السينمائي أحمد مظهر هو الذي أطلق علينا هذا الاسم».
اليوم لا توجد حوارات ثقافية في مهنية «باريس رفيو» لأنه لا يوجد نجيب محفوظ، ولا ظاهرة تجمّعية ثقافية فنية مثل الحرافيش، ربما، لأنه لا يوجد ما يستحق أن ينهبه المرء في مظاهرة.
انقرض، أو يكاد ينقرض فن الحوار الصحفي مع الشعراء والروائيين، حيث يتحدث الكاتب عن نفسه كما هي طريقة «باريس رفيو». هنا، اقرأ المهمّة التحريرية التي تبنّتها المجلة بكل بساطة كما جاء في تقديم أحمد شافعي:«أن تركّز المجلة على الإبداع القصصي والشعري، وأن تزيح النقد من مكانه المسيطر الذي يحتله في أغلب المجلات الأدبية، لتضعه في موضعه الذي يستحقه كخلفية للكتاب، وانتهى المحررون إلى صيغة تحقق هذه الغاية: أن يتيحوا للكتّاب أنفسهم فرصة للحديث عن أعمالهم».
