لا أعلم إذا كنتم تتفقون معي أن التواصل والعلاقات مع المقربين، شابها بعض من التداخل مع مفاهيم أخرى تتعلق بالحياة العملية بعيداً عن الدفء الإنساني المعهود؛ حيث نلمس نمطاً سلوكياً حديثاً وكأنه تسلل بنعومة نحو النظرة للآخرين، وكيفية التعامل معهم، بل كأنه استهدف معايير التواصل نفسها، فلم تعد تقوم على مفاهيم إنسانية من الأخلاق والتفاهم والتلاقي والارتياح الشخصي، لتصبح المعايير متعلقة بالمكانة الوظيفية، ومدى الاستفادة والمنفعة التي يمكن تحقيقها من ورائه.
يصح القول إن مفاهيم سوق العمل ولغة المصالح، التي نسمعها ونرى طريقتها وآلية عملها في الشركات ومؤسسات العمل، قد دخلت نحو المجالس العائلية، وبين الأصدقاء، وفي المقاهي التي تجمع الصحب والأقارب، ومعها كأن التآلف الفطري والصفاء الروحي قد تحولا إلى استثمار محسوب بمهارة ودقة بالغة؛ لذا نرى الحديث الودي الاعتيادي، كأنه مقابلة عمل، والابتسامات لها ثمن ولا تُصرف للجميع، بل على العكس تكون في مواضع محددة تغلفها غاية مؤجلة.
بطبيعة الحال، لا أقصد ولا أشير إلى التعاون في مجالات المهنة، ولا أن يقدم ويسهم إنسان بخبرته ومعارفه ويفيد بها أقاربه ومحيطه من الصحب، ويساعدهم على التطور، ويعزز لهم النجاحات من خلال خبراته ومهاراته، بل أشير إلى نوع مختلف، يتعلق باختزال الآخرين عند البعض في بطاقتهم التعريفية، وفي مكانتهم، وكيفية الاستفادة منهم.
وأعتقد أن وزن الناس وفق صفتهم أو منصبهم، تجريد من الجوهر الحقيقي للقيم البشرية، وإلغاء للإنسانية، ومن الطبيعي أنه عند غياب المنصب وتبدل الموقع الوظيفي، ستتلاشى تماماً العلاقة وتنقطع الاتصالات، وهذا سيولد شعوراً بالخذلان والخواء النفسي، وألماً داخلياً عميقاً.
تعتبر العلاقات الإنسانية، أياً كان نوعها وعبر التاريخ البشري، بمثابة المأوى النفسي للإنسان، فيها يجد العون، ويرى الحب، ويطمئن بأنه يسير في الحياة برفقته أحبة يهتمون به ويسهمون في نجاحه ويفرحون لفرحه ويسلونه في حزنه ويواسونه عند مصابه. وعندما تفقد هذا المعنى وتبتعد عنه، تكون حياة مخيفة وخاوية، بلا قيمة ولا طعم.
لذا من المهم فهم أن العلاقات التي تقوم على المنفعة، وعلى بناء علاقات تواصل وفق المصلحة العابرة، خاوية من الدفء والصدق، ولا يمكن الاعتماد عليها، ووفق هذا الفهم علينا جميعاً الحذر منها، وإعادة ضبط بوصلة وجهتنا الاجتماعية بعيداً عن لغة المصالح.
