الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الصين تشتري الغاز الأمريكي اليوم لتهيمن على الطاقة غداً

28 أكتوبر 2026 23:09 مساء | آخر تحديث: 28 أكتوبر 2026 23:21 مساء
دقائق القراءة - 3
شارك
share
خلال مؤتمر «غاستك» في بانكوك، وقعت شركتان عقداً بهدوء يكشف عن حقيقة حرب الطاقة الدائرة، إذ ستقوم شركة «فينتشر جلوبال» وهي المُصدِّر الأكثر توسعاً ونشاطاً للغاز الطبيعي المسال على ساحل الخليج الأمريكي- ببيع 0.5 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال لشركة «تشاينا غاز هولدينغز» لمدة 20 عاماً، بدءاً من عام 2030. وبذلك، يصل إجمالي التزام «فينتشر جلوبال» طويل الأجل تجاه «تشاينا غاز» إلى 2.5 مليون طن سنوياً، يتم توريدها من منشآتها العملاقة الثلاث.
اتسم البيان الصحفي بلهجة دبلوماسية، حيث صرح رئيس مجلس الإدارة «ليو مينغ هوي» بأن الاتفاقية «تعزز محفظتنا وتدعم التزامنا بتأسيس منصة دولية لتجارة الطاقة»، بينما أعرب الرئيس التنفيذي «مايك سابل» عن سعادة «فينتشر جلوبال» بتوسيع شراكتها في مجال الغاز الطبيعي المسال.
غير أن السياق العام للأمر بعيد كل البعد عن هذه الدبلوماسية، فالصين لا تزال تفرض رسوماً جمركية بنسبة 15% على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، وكانت قد أوقفت جميع وارداتها منه في مارس 2025.
وتُظهر البيانات الفيدرالية الأمريكية أن واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي قد انهارت بنسبة 99% بين عامي 2024 و2025، لتصل إلى 546 مليون قدم مكعبة فقط.
والجدير بالذكر أن الصين كانت أكبر مشترٍ عالمي للغاز الطبيعي المسال الأمريكي في عام 2021 بقيمة 6.2 مليار دولار، لكنها لم تشترِ شيئاً يذكر في العام الماضي. إذن، لماذا تبرم الصين صفقات للحصول على كميات من الغاز الأمريكي تفوق أي وقت مضى؟ لأن بكين لا تشتري الغاز فحسب، بل تشتري «خيارات استراتيجية».
تستحوذ الشركة الأمريكية المذكورة على نحو 40% من إجمالي الغاز الخام المغذي لمحطات تصدير الغاز الطبيعي المسال الأمريكية يومياً، وتتمثل طموحات الشركة على المدى الطويل في الوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 100 مليون طن سنوياً، وهو ما يتجاوز قدرات شركة «قطر للطاقة».
أما شركة «تشاينا غاز»، فهي ليست شركة حكومية عملاقة مثل «سينوبك»
بل هي شركة مدرجة في بورصة هونغ كونغ تعمل في مجال توزيع الغاز للمدن وتغطي أكثر من 600 مدينة. وهي لا تمتلك أي محطة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، لكنها تتمتع بمرونة عالية في عمليات التداول. أما الجانب الاقتصادي للصفقة فيتمثل في الآتي: يُسعَّر العقد الأمريكي القياسي بناءً على سعر «مركز هنري» مضافاً إليه حوالي 3 دولارات. فإذا كان سعر «مركز هنري» 3.50 دولار، يصبح السعر 6.50 دولار (على أساس التسليم على ظهر السفينة - في لويزيانا. وبإضافة 1.50 دولار تكلفة الشحن و15% رسوماً جمركية صينية، تصل التكلفة عند الوصول إلى الصين إلى 9.20 دولار. وهذا السعر يظل أقل ب 3 دولارات من سعر العقد الأسترالي المرتبط بأسعار النفط، والذي يبلغ 12.50 دولار. وإذا انخفضت الرسوم الجمركية - وهو أمر محتمل بعد الزيارة المرتقبة للرئيس شي جين بينغ إلى واشنطن هذا الشهر- فإن هامش الربح سيتضاعف بشكل هائل.
أما إذا لم تنخفض الرسوم، فستلجأ شركة «تشاينا غاز» إلى استراتيجية أثبت التجار الصينيون براعتهم فيها خلال الفترة 2022-2024، وهي «تحويل مسار الشحنات»، فبعد أن رفعت بكين الرسوم الجمركية في فبراير 2025، قام المستوردون الصينيون ببساطة بإعادة بيع الشحنات الأمريكية إلى أوروبا محققين أرباحاً تتراوح بين 15 و20 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
وقد صرحت «تشاينا غاز» بذلك بوضوح، مشيرة إلى أن هذه الصفقة تهدف إلى بناء «منصة دولية لتجارة الطاقة تربط بين الموارد العالمية عالية الجودة والطلب المتزايد». وهذا تعبير مبطن يعني: سنحصل على الغاز الأمريكي منخفض التكلفة ونبيعه لمن يدفع السعر الأعلى إذا دعت الحاجة.
القيمة الإجمالية: إن توريد 0.5 مليون طن سنوياً لمدة 20 عاماً يعادل 10 ملايين طن، أو ما قيمته حوالي 6-7 مليارات دولار وفقاً لمعدلات التسعير طويلة الأجل الحالية. أما توريد 2.5 مليون طن سنوياً فيعني أن غازاً أمريكياً بقيمة 30-35 مليار دولار سيخضع لسيطرة العقود الصينية.
لماذا الآن؟ هناك ثلاثة ضغوط تتضافر معاً: أولاً، لم تعد قطر مصدراً خالياً من المخاطر، إذ توفر قطر 22% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، وقد تضررت بنيتها التحتية للإسالة في وقت مبكر من الصراع الحالي في الشرق الأوسط، ما أجبر المشترين على السعي المحموم لإيجاد بدائل خارج قطر.
ثانياً، الفترة الزمنية بين عامي 2027 و2030، إذ سيظل سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي يعاني شح المعروض حتى أواخر عام 2027، وهو الموعد الذي ستدخل فيه طاقة إنتاجية جديدة تبلغ 80 مليون طن سنوياً -من الولايات المتحدة وقطر- حيز التشغيل الفعلي.
ثالثاً، والأهم، الاستراتيجية الصناعية. تنضم «تشاينا غاز» الآن إلى شركات الغاز الصينية الأخرى وهي «سينوك» و«سينوبك» و«إي إن إن» في شبكة من العقود الأمريكية التي سيبلغ مجموعها أكثر من 15 مليون طن متري سنوياً بحلول عام 2030.عندما تسيطر على 15 مليون طن متري سنوياً من الإمدادات الأمريكية، فإنك تسيطر على الشحنة الهامشية التي تحدد السعر في آسيا.
* باحث في مركز «هولملوز» للطاقة والبيئة في واشنطن

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة