تعيش الولايات المتحدة مخاضاً سياسياً يتمثل في مظاهرات مليونية رفعت شعاراً دستورياً حاسماً «لا للملوك» وهو الشعار الذي جاء كرد فعل شعبي مباشر على قرارات المحكمة العليا الأمريكية التي وسعت من نطاق الحصانة الرئاسية، ما أثار مخاوف قانونية عميقة من نشوء «رئاسة إمبراطورية» فوق القانون. ويعكس هذا الشعار تنامي التحذيرات في الأوساط السياسية والقانونية من التوسع غير المسبوق في الصلاحيات التنفيذية للإدارة الحالية، وتآكل نظام «الفصل بين السلطات» وضوابط الرقابة.
المد الجماهيري انطلق في يونيو(حزيران) 2025 وتحوّل إلى حركة منظمة أعادت تنظيم صفوفها بشكل استراتيجي بحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2026. فبينما ركزت الموجات الاحتجاجية الأولى على التظاهر الميداني، شهد أكتوبر تحولاً محورياً نحو التعبئة الانتخابية والدعوة للتصويت المبكر بهدف التأثير المباشر في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. ومع بلوغ هذه الانتفاضة المدنية ذروتها التاريخية في مسيرة مارس(آذار) 2026، كأضخم احتجاج بيوم واحد في تاريخ أمريكا بمشاركة حاشدة قُدّرت بنحو 8 إلى 9 ملايين متظاهر في أكثر من 3300 موقع، بات واضحاً أن التحالف المدني الذي يقوده الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ACLU، ومنظمة Indivisible، ومجموعة MoveOn نجح في نقل المعركة إلى عمق النظام السياسي. واليوم، لا يقف هذا الحراك الشعبي وحيداً؛ بل يدعمه محوران، تشريعي وعسكري/إعلامي يشكلان معاً جبهة صدّ ثلاثية الأبعاد ضد نزعة السلطة المطلقة لإدارة ترامب والانخراط في الحروب الخارجية.
بالتوازي مع ضغط الشارع، تقود المعارضة التشريعية داخل الكونغرس حراكاً حثيثاً ضد قرارات الإدارة الأمريكية. وفي خطوة تصعيدية بارزة في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، طالب أعضاء ديمقراطيون في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ بالكشف عن التكلفة الحقيقية للحرب على إيران. ودعت المذكرة الرسمية وزارة الحرب (البنتاغون) إلى تقديم إجابات غير سرية للجمهور حول الأضرار التي لحقت بالقواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة، مؤكدين أن الشعب والكونغرس بحاجة لهذه المعلومات لتحديد خطوات التعافي من هذه «الكارثة». وفي سياق متصل، أشار السيناتور كريس ميرفي إلى الأزمة الداخلية بالبنتاغون عقب خطوة وزير الحرب بيت هيغسيث بإقالة جنرالات كبار، قائلاً: «يبدو أن الجنرالات ذوي الخبرة يقولون لهيغسيث إن خططه للحرب على إيران غير عملية، كارثية ومميتة».
البُعد الثالث للحراك تجلى في استطلاعات الرأي الإعلامية التي تكشف عن شرخ عميق حتى داخل صفوف القوات المسلحة وعائلاتهم تجاه مسألة الحرب. فقد كشف استطلاع أجرته مؤسسة «تشانج» للأبحاث لصالح منظمة «الدفاع المشترك» المكونة من محاربين قدامى عن حقائق صادمة للإدارة الأمريكية؛ إذ إن 49% من العسكريين الحاليين والمحاربين القدامى وعائلاتهم يعارضون «عملية الغضب الملحمي» ضد إيران، مقابل تأييد 44% فقط، بينما بلغت نسبة المعارضة 48% بين أفراد الخدمة الفعلية الحالية. وبالنسبة لأولوية سلامة القوات، رأى 55% من المشاركين أن مدة الانتشار وصحة ورفاهية العسكريين في الحرب ضد إيران هي أبرز القضايا التي يجب على الكونغرس التحقيق فيها فوراً. وبالنسبة لرفض الدعم العسكري الخارجي أظهر الاستطلاع معارضة بنسبة 53% لنشر الجيش الأمريكي لدعم الأهداف العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان، مقابل تأييد 38%. أما بخصوص الشعور بالتجاهل السياسي فقد اتفق نحو 80% من المستطلعين على أن السياسيين والمجتمع يتجاهلون تماماً المحاربين القدامى وعائلاتهم.
واجهت إدارة الرئيس ترامب ثلاث جبهات مُعارضة؛ جبهة الحراك المدني الشعبي واستخدمت أداة التظاهر المليوني والتعبئة للتصويت المبكر، وهدفها الأساسي حماية الديمقراطية ومناهضة إجراءات الاحتجاز التعسفية، وجبهة الحراك التشريعي (الكونغرس) واستخدمت المذكرات الرسمية والمطالبة بتقارير وزارة الحرب (البنتاغون)، وهدفها الأساسي كشف التكلفة الحقيقية لحرب إيران ووقف إقالة القيادات العسكرية، وجبهة الحراك العسكري والإعلامي استخدمت أداة استطلاعات للرأي والضغط عبر المحاربين القدامى، وهدفها الأساسي إبراز الرفض الداخلي لعملية «الغضب الملحمي» والتدخلات الخارجية.
التلاحم بين الشارع والكونغرس والرفض المتنامي من داخل البيئة العسكرية يستعيد بدقة ذكريات الحركة المدنية التاريخية المناهضة لحرب فيتنام عام 1964. إذ هناك تطابق بنيوي وتاريخي يربط الماضي بالحاضر؛ فكلتا الحركتين نبعتا من القواعد الشعبية والائتلافات المدنية وحرم الجامعات. واليوم، يعيد الاحتجاج على عملية «الغضب الملحمي» إنتاج الغضب التاريخي نفسه ضد المستنقع الفيتنامي، في حين تقابل عمليات الاحتجاز والترحيل المكثفة التي تقودها إدارة الهجرة حالياً، سياسات التجنيد الإجباري التعسفي التي ثار ضدها الشباب الأمريكي في الستينات.
إن حراك «لا للملوك» بامتداداته التشريعية والعسكرية يُثبت مجدداً أن الولايات المتحدة تعيش لحظة فارقة؛ حيث يرفض المجتمع بكافة أطيافه – من المتظاهر في الشارع إلى الجندي في الميدان والسيناتور تحت قبة الكونغرس – التخلي عن جوهر النظام الجمهوري الدستوري لصالح النزعات الفردية، مما يضع الإدارة الحالية أمام خيارات صعبة قد تعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد في الانتخابات المقبلة.
