الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حرّاس الجحيم

28 أكتوبر 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 28 أكتوبر 2026 00:06 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
رغم كل التقدم وخيلاء البشر بقدراتهم، لا يزال الكثير منهم، خاصة في منطقتنا، يفشلون في الالتقاء حول المعاني الإنسانية التي هي الرباط الأوثق والأسهل بين كل المخلوقات على اختلاف انتماءاتهم الدينية والاجتماعية والجغرافية.
ليس الابتلاء فيمن يجاهر بكفره بأي رباط إنساني، فهو في بعض الأحوال يذهب إلى إزهاق روحه بنفسه حين يحولها إلى قنبلة تنفجر في أجساد الآخرين من غير أن يميّز بين من يشبهه أو يلتقي معه في الدين أو الوطن، فكيف بمن يخالفه؟ المصيبة في هذه العقليات التي تمشي بيننا متخفية في أشكال واهية للتعايش وادعاء التسامح، لكنها حين تسنح الفرصة تكشف بجهل عن تطرف واستسهال في التكفير واحتكار سلطة توزيع البشر على الفردوس والجحيم، وحسم مصائر الأموات في تعدٍ أهوج على حق خالق الجميع.
على الرغم من قسوة حوادث الاعتداء على أبرياء آمنين من أي دين في أي وقت، فإنها تكشف عن الحاجة إلى جهد أكبر، ليس في مواجهة من اختاروا التطرف والانحراف عن جادة العقيدة والإنسانية، فالتصدي لهم قائم على قواعد معروفة؛ بل لإعادة تربية عقول لا تنتظم في تيار أو جماعة، لكنها تمشي في المواقع الافتراضية وفي بعض التجمعات بعبارات وأفكار لا تقل خطورة عن تلك التي تتحول إلى قنابل غادرة؛ بل هي، في بعض الأوقات، حاضنة لها، مشجعة عليها.
إزاء كل هذا القلق المحيط بدولنا، منفردة أو جماعية، يظهر في تفاصيلها من يعين على إضعاف شوكتها حين يجرها إلى حوادث طائفية مقيتة بالاعتداء على أبرياء والتجرؤ على استهداف دور عبادة. ولم يعد مفيداً تكرار أن من يفعل ذلك أعيدت تربيته على الكفر بالوطن وبأي مختلف معه، حتى ولو من ملته ودمه، لكن أن تنشأ على ضفاف هذه الجريمة معركة عن شرعية الترحم على غير مسلمين طالتهم يد الغدر، فتلك نطاعة عقلية ودينية، وتفاهة لا تليق بما جرى، وليس الإسلام والمسلمون بحاجة إليها، فضرها أكثر من نفعها.
واستدعاء نصوص تؤيد من يشعلون هذه المعركة غير المبررة هو تبرير خطِر لإشعالها من أكثر من وجه، فهو، دينياً، تشبث بتفسيرات بشرية لها ما يخالفها عند علماء ودور إفتاء معتبرة، وهو، إنسانياً، قفز متوحش على لحظة ضعف إنسانية يلملم فيها ذوو ضحايا بقاياهم، وتسارع السلطات إلى تطويق النار التي أوقدتها أيادٍ متطرفة. وفي هذا الاستدعاء أيضاً خطر وطني، فهو شق لوحدة مبتغاة في مواجهة الشرر الآتي من خارج حدود أية دولة، حين يجد مواطنون فيها، وفي أوج مصيبة ألمت بهم، مواطنين مثلهم يهونون من قيمة الأرواح التي أهدرت، ويهولون من مغبة التماس الرحمة لها على دينهم.
كأن الخطيئة في الترحم على أبرياء، لا في تمزيق وحدة وطن، ولا في الغفلة عن سيناريوهات كارثية ترابط على حدود المنطقة وتنذر بجحيم لن يسمح للمتنطعين بأن يكونوا حراسه.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة