الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حركة الطلاب.. بين 1968 و2026

28 أكتوبر 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 28 أكتوبر 2026 00:07 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في استعادة دراماتيكية لحركة الطلاب التي انطلقت في 11 مايو/أيار 1968 من جامعات فرنسا، ومنها إلى شتى أنحاء أوروبا ثم إلى دول أخرى على رأسها الولايات المتحدة، اندلعت انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026 من قبل طلاب المدارس في فرنسا نفسها، ومنها إلى دول أوروبية على رأسها إسبانيا وبلجيكا والبرتغال وإيطاليا والنمسا وألبانيا. الأولى استمرت ساخنة لنحو ثلاثة أسابيع، بدأت بإقامة المتاريس في شوارع باريس، أعقبها كر وفر وتخريب بدعم من الحركات العمالية، قبل أن تهدأ بتراجع الدعم العمالي لها، وسيطرة الدولة على مجرياتها، من دون أن تحقق أهدافاً سياسية كبرى وإن تركت بصمة ثقافية لا تُنكر. أما الثانية ففجرها طلاب المدارس، لكن سرعان ما التحقت بها فئات عدة، وساندتها حركة السترات الصفراء التي باتت تمثل رصيداً جاهزاً لكل حركات الاحتجاج في فرنسا منذ 2018، ولا تزال دوائرها تتسع حتى فاق عدد المشاركين في تظاهرات السبت الماضي، نصف المليون في فرنسا وحدها، مع أعمال عنف متبادلة غير محدودة بينهم وبين الشرطة.
لكن هذا التشابه الظاهري بين الانتفاضتين، من حيث الدور المركزي للحراك الطلابي، إنما يغطي على اختلاف جوهري. فالانتفاضة الحالية دافعها الرئيس هو الاقتصاد، مشكلات الحياة اليومية التي تختلف من دولة إلى أخرى، من ظروف الدراسة في المدارس الثانوية بفرنسا، إلى أزمة السكن في إسبانيا خصوصاً في مدريد وبرشلونة، إلى تدني مستويات الخدمات العامة في إيطاليا والبرتغال وألبانيا، لكن يظل العنوان الأبرز الذي يجمع بينها هو سوء الأحوال المعيشية وارتفاع نسب الفقر والتضخم وأسعار الطاقة تحت ضغط الحروب المتنامية من أوكرانيا إلى إيران، والاضطرابات الملاحية المتزايدة من مضيق هرمز إلى باب المندب، والقلاقل السياسية التي تتمدد في كل مكان، خصوصاً في منطقتنا العربية. أما انتفاضة 1968 فلم يكن دافعها الرئيسي اقتصادياً، حيث كانت فرنسا وجل أوروبا الغربية تعيش عصر دولة الرفاه الاجتماعي، بل كان ثقافياً، أقرب إلى حالة تمرد سيكولوجي من قبل الأجيال الشابة حينذاك على التيار السائد في المجتمعات الأوروبية، بلغ حد امتناعهم عن الدراسة في جامعاتها، والخدمة العسكرية في جيوشها، ومحاولة خلق ثقافة مضادة ومجتمع بديل أكثر إنسانية. كان هؤلاء الثائرؤن، فيما يبدو، جوعى للطمأنينة في عصر بدا فيه الصراع الأيديولوجي بنية حياة كاملة، وإلى الروحانية في زمن بدت فيه العلمانية أقرب إلى ديانة إنسانية.
والحقيقة أن انتفاضة 1968 تبدو لنا حدثاً رؤيوياً بامتياز، تمرداً باكراً على ما سوف يحدث ولا يزال يحدث في أوروبا والعالم. فكل ما تمردت عليه صار حاضراً اليوم بقوة تفوق ما كان قبل ستة عقود. نعم تراجعت حدة الشعور ببعض القضايا التي تصدرت الاحتجاج حينذاك من قبيل الهيمنة الفئوية: الجيلية من قبل الآباء الذين تورطوا في الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من حرب باردة أو حروب بالوكالة على معظم خريطة العالم، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة عملياً. والجنسية من قبل الذكور على الإناث بعد أن خرجت الحركة النسوية من إطارها الضيق وأصبحت فلسفة كاملة، ونزعة فكرية يزداد حضورها وينمو مؤيدوها في عالم القرن الحادي والعشرين. أو العرقية من الجنس البيض على الملونين خصوصاً الزنوج، تأثراً بحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة.
لكن قضية غياب المعنى، وفقدان الروحانية صارت أكثر حضوراً عما كانت قبل ستة عقود، بل قبل ثلث القرن فقط. فاليوم بعد أن سقطت الشيوعية وانتهت الحرب الباردة ومعها الصراع الكبير (الإيديولوجي) حول صياغة النظام العالمي، نجد عالمنا وقد خلا من الأفكار الكبرى، القادرة على عبور القارات وتقديم بدائل مختلفة للمستقبل، ومن الزعامات الكبيرة من طراز فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل وشارل ديغول. وفي المقابل نجد صعوداً طاغياً للصراعات الصغيرة (التقنية) حول مشكلات الحياة اليومية، ولنخب الحكم العادية أو حتى الفاسدة، التي تمعن في ممارسة السلطة فيما تفتقد إلى الخيال السياسي، ومن ثم تعجز عن توجيه مجتمعاتها، أو إلهام الأجيال الجديدة فيها.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة