لا تضطرب منطقة الشرق الأوسط في أزمات وحروب متعاقبة فحسب، بل تواجه معضلة أعمق تتمثل في عجزها عن تحويل فترات الهدوء إلى سلام قابل للاستمرار. فالاتفاقات التي توقف إطلاق النار لا تنهي بالضرورة الصراعات التي أنتجت الحرب، والتفاهمات بين الدول لا تكفي وحدها لتحصين المجتمعات من الانقسامات التي تجعلها عرضة لتجدد المواجهات. وهكذا، فإن أفضل ما قد تنتجه هذه الاتفاقات أحياناً هو «سلام قلق»، تتراجع فيه حدة المواجهة، بينما تظل أسباب انفجارها قائمة.
ولا يكمن جوهر هذه المعضلة في تعدد الأزمات الإقليمية أو صعوبة تسويتها، كل على حدة، وإنما في العلاقة المتبادلة بين الهشاشة الداخلية والتنافس الخارجي. فكلما ضعفت قدرة الدولة على إدارة خلافاتها وبناء توافق وطني، اتسعت المساحة المتاحة للقوى الخارجية للتأثير في مساراتها. وكلما تحولت الدولة إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ازدادت انقساماتها عمقاً، وتراجعت فرص بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. إنها دائرة يعيد فيها كل طرف إنتاج هشاشة الطرف الآخر، فتطول الأزمة ويتعقد الخروج منها.
وتكشف التطورات الإقليمية وجوهاً متعددة لهذه المعادلة. ففي غزة، لم يؤدِّ وقف إطلاق النار إلى تسوية الخلافات المتعلقة بالترتيبات الأمنية والسياسية ومستقبل إدارة القطاع وإعادة إعماره. وفي لبنان، أعادت المواجهات بين إسرائيل وحزب الله طرح أسئلة السيادة واحتكار الدولة قرار الحرب والسلم، في ظل تداخل الحسابات المحلية والإقليمية. أما المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، فقد أظهرت كيف يمكن لصراع بين أطراف محددة أن تتجاوز تداعياته حدودها، لتطول أمن الملاحة والتجارة الدولية وتكاليف الطاقة، وتضع دول المنطقة أمام معادلة صعبة تجمع بين الردع والاستقرار والتنمية. وفي اليمن، تتشابك الانقسامات المحلية مع التنافس الإقليمي، لتصبح الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من حسابات تتجاوز الحدود اليمنية.
لكن الدلالة الأعمق لهذه المعادلة تظهر في السودان وليبيا وسوريا، حيث تتفاعل أزمات بناء الدولة مع بيئات إقليمية ودولية لا تنفصل عن مسارات الصراع. ففي السودان، لم تؤدِّ الحرب المستمرة منذ أبريل/ نيسان 2023 إلى تدمير مقومات الحياة وتهديد الأمن الغذائي وتشريد ملايين السكان فحسب، بل كشفت أيضاً كلفة انهيار التوافق الوطني وعجز الأطراف المتحاربة عن التوصل إلى تسوية مستدامة. وحين تتزامن الانقسامات الداخلية مع تنافس القوى الخارجية ومصالحها، يصبح إنهاء الحرب أكثر تعقيداً.
وفي ليبيا، يقدم الانقسام السياسي والمؤسسي نموذجاً آخر، فتعثر توحيد الدولة واستكمال الاستحقاقات الانتخابية لا يعكسان مجرد خلاف بين قوى محلية، بل يرتبطان أيضاً بتوازنات ومصالح خارجية تتقاطع مع هذا الانقسام. وكلما طال أمد الانقسام، تراجعت قدرة المؤسسات الوطنية على احتوائه، وأصبحت التسوية أكثر تعرضاً لتبدل الحسابات الداخلية والإقليمية. وبذلك لا يكون التدخل الخارجي مجرد عامل يضاف إلى الأزمة، بل قد يصبح أحد العوامل التي تعيد تشكيلها وتطيل عمرها، عندما تتعارض المصالح الخارجية مع متطلبات بناء الدولة الموحدة.
أما سوريا، فتبرز فيها صعوبة إعادة بناء الدولة وترميم الثقة الاجتماعية وإدارة التعددية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. فالتحدي لا يتعلق بإعادة بناء المؤسسات المادية وحدها، وإنما بإقامة توافق وطني قادر على استيعاب التنوع ومنع تجدد الصراعات، بالتوازي مع التعامل مع مصالح القوى الإقليمية والدولية وتدخلاتها. وإذا تعثرت إحدى العمليتين، انعكس ذلك على الأخرى، إذ لا تستطيع المؤسسات الوطنية ترسيخ استقرارها بمعزل عن محيطها.
ولا تعني هذه الأمثلة أن التدخل الخارجي هو السبب الوحيد للأزمات، أو أن المجتمعات المنقسمة محكوم عليها بالصراع. فلكل حالة تاريخها ومصالح أطرافها وعواملها الخاصة، وقد يسهم الدعم الدولي في تثبيت التسويات بدلاً من تقويضها. غير أن القاسم المشترك هو أن هشاشة الداخل تتيح للتنافس الخارجي فرصاً أوسع، فيما يؤدي امتداد هذا التنافس إلى زيادة تعقيد الانقسامات الداخلية، وتعدد الأطراف المعنية بالصراع، وتضارب شروط التسوية.
ومن هنا، فإن الانتقال من السلام القلق إلى السلام المستدام يتطلب تجاوز الفصل بين مسارين كثيراً ما عولج كل منهما بمعزل عن الآخر: بناء الاستقرار داخل الدول وإدارة العلاقات بينها. داخلياً، لا يتحقق السلام بمجرد غياب المواجهة، بل بمؤسسات فاعلة، وقنوات سلمية للتنافس السياسي، وضمانات للحقوق، وإطار وطني يدير الاختلاف دون إقصاء. وإقليمياً، لا تكفي الاتفاقات المؤقتة، بل لا بد من آليات للحوار وإدارة الأزمات واحترام سيادة الدول، تحول دون استخدام الانقسامات الداخلية أدواتٍ للتنافس الخارجي.
إن الاختبار الحقيقي للسلام ليس عدد الاتفاقات الموقعة، ولا طول الفترات التي تصمت خلالها المدافع، بل قدرة الدول والمجتمعات على معالجة أسباب الصراع ومنع تجددها. فحين تتفاعل الهشاشة الداخلية مع التدخل الخارجي، لا تطول الحرب فحسب، بل تتغير طبيعتها وتزداد أطرافها وحساباتها، فتغدو تسويتها أصعب من إنهائها عسكرياً. أما السلام الذي يستحق هذا الاسم، فهو الذي يحوّل التهدئة إلى تسوية، والتسوية إلى مؤسسات، والاستقرار إلى فرصة حقيقية للتنمية.
