الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

القرن الإفريقي.. وأزمات تتجاوز حدود البحر

29 أكتوبر 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 29 أكتوبر 2026 00:05 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
على الرغم من أن أمن القرن الإفريقي يُقرأ غالباً من زاوية حماية الملاحة، وتأمين الموانئ، وتعزيز الحضور العسكري، فإن تداخل التوترات الإقليمية مع نشاط الجماعات المسلحة يكشف عن إشكالية أعمق في فهم طبيعة التهديد ذاته. فالممر التجاري لا يستمد أمنه من السفن التي تحرسه وحدها، بل من قدرة الدول على ضبط السواحل، وتنظيم الموانئ، وتأمين الطرق المتصلة بها. وهنا يبرز التساؤل: هل يمكن فعلاً حماية التجارة في البحر، إذا بقيت الأزمات التي تهدّد استمراريتها على البر بلا معالجة؟
وتزيد اضطرابات هرمز أهمية هذه المعادلة، لأنها تعزز الحاجة إلى مسارات تصدير يمرّ بعضها بمحاذاة القرن الإفريقي. فبحسب بيانات معهد واشنطن التي نقلتها رويترز في 23 أكتوبر، سُجّل خلال الشهر 28 هجوماً، بين مؤكد ومبلّغ عنه، في هرمز والمياه المحيطة، في أعلى حصيلة شهرية مسجّلة لديه، ضمن 113 هجوماً منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير.
وعلى الرغم من اعتماد دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية طرقاً بديلة تُجنّبهما المرور بمضيق هرمز، إلا أن عدداً من تلك الشحنات تضطر لعبور باب المندب المحاذي للقرن الإفريقي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وقد استوعب هذا المضيق، وفقاً تقرير الأونكتاد للنقل البحري، 8.7% من حجم التجارة البحرية العالمية في 2023، مقابل 11.1% لهرمز، وهكذا يرتبط تأمين بعض بدائل هرمز باستقرار السواحل الإفريقية المقابلة لليمن. فهل يكفي تجاوز مضيق إذا بقيت البدائل معرّضة للخطر؟
ولا ينفصل هذا التساؤل عن واقع الإقليم. فالتوتر الإثيوبي الإريتري يتزامن مع تجدد القتال في تيغراي، بينما يظل الوصول إلى البحر مسألة تتداخل فيها الحاجة الاقتصادية واعتبارات السيادة.
أما الصومال، فيكشف بعداً آخر يتعلق بمن يملك سلطة القرار داخل الدولة. فإدارة الموانئ تتوزع بين سلطات مختلفة، فيما تقع بربرة خارج السيطرة الفعلية للحكومة الفيدرالية، ضمن أرض الصومال. ولا تعني الإدارة المحلية غياب السيادة، لكن غياب التوافق على الصلاحيات والإيرادات يحدّ من قدرة المؤسسات على تقديم التزامات قابلة للتنفيذ. فمن يضمن استقرار الممر إذا اختلفت الجهات المعنية على قواعد تشغيلية؟
ويزداد هذا البعد أهمية مع تحذيرات أمريكية نقلتها «فايننشال تايمز» في سبتمبر، بشأن تنامي التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب عبر السلاح والتدريب، إلى جانب تحذير المنظمة البحرية الدولية من تجدد القرصنة. فاختلاف أهداف الفاعلين لا يمنع تبادل القدرات، أو الاستفادة من الثغرات نفسها. ولا يعني ذلك وجود قيادة موحدة للجماعات والقراصنة، بقدر ما يكشف بيئة تستطيع فيها شبكات متعدّدة توسيع التهديد، حتى عندما تتحرك بدوافع مختلفة.
وفي مثل هذا السياق، يصبح مشغل الميناء، وشركة الشحن، وجهة التأمين، والسلطة المحلية، عناصر لا يمكن فصلها عن معادلة أمن التجارة. فقد يبقى الرصيف صالحاً للعمل، بينما يتعطل الطريق إلى السوق، أو ترتفع كلفة التأمين إلى مستوى يغيّر قرار استخدامه. وبالتالي، فإن قياس أمن الممر بعدد الهجمات وحده يغفل أثر المخاطر في خيارات الشركات، وأسعار الوقود، وتكاليف الإنتاج.
ويفسر ذلك حدود دور القواعد الأجنبية في جيبوتي، فالحضور الأمريكي والصيني يعكس اتساع المصالح الدولية، لكنه لا يحسم تلقائياً الخلافات المحلية حول مسؤولية الموانئ والطرق والمنافذ.
ربما تكمن خطورة هذه التحولات في أنها تسمح بإعادة إنتاج التهديد عبر مستويات متداخلة. فخلاف سياسي قد يعطل التنسيق، وضعف الرقابة قد يسهل التهريب، وانتقال السلاح قد يوسع قدرة جماعة مسلحة على الوصول إلى البحر. لذلك، فإن دعم المؤسسات، وتنسيق الصلاحيات، وتعزيز التعاون الاستخباري، وحماية طرق الإمداد، تمثل جبهة موازية للدوريات البحرية. والمطلوب شراكات تربط حماية الملاحة باستقرار البيئات التي تمر عبرها التجارة.
وفي المحصلة، يُرجح أن تتزايد أهمية القرن الإفريقي وكلفة الاعتماد على ممراته معاً، ما دامت أزماته تتفاعل مع اضطرابات المنطقة. صحيح أن الحماية البحرية ضرورية، إلا أن فاعليتها تظل مرتبطة بقدرة السلطات على تنفيذ التفاهمات وضبط الشبكات العابرة للحدود. فحين يتأخر التعامل مع هذه الروابط إلى ما بعد استهداف السفن، تصبح المعالجة أكثر صعوبة وكلفة. فكيف نعدّ الممر آمناً، إذا استطاع خلاف على البر تعطيل ما نجحت الحماية البحرية في تأمينه، ومنع البضائع من بلوغ وجهتها.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة