الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

في السفر نُقيم

29 أكتوبر 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 29 أكتوبر 2026 00:01 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
المصابون بالداء الجميل (السفر) تجدهم أكثر بشاشة وصدق استقبال ومحبة للحياة بمخلوقاتها. تجدهم متصالحين مع أنفسهم ما وسعهم الأمر. يسيحون في الأرض بحثاً عن أنفسهم تارة وتفقّداً للمعاني الغائبة في أمكنتهم التي جاءوا منها.
يضعك السفر أمام معارف ومعانٍ ووعي وكشف لكثير من المجاهل التي لن تهتك سترها بانشدادك للمكان الأول الذي ترى فيه أول العالم ونهايته، وقد يكون كذلك ضمن فضاء عاطفي ولكنه بعيد من ذلك بانفتاحك على العالم الرحب من حولك.
وفي السفر كنز للحكايات حين تعود. يحولّك إلى راوٍ بقلب طفل. تسرد ما رأيت وربما تختلق ما لم تره، كلما تحلّق الناس من حولك بحثاً عن سفر مجاني يضعهم في قلب الأمكنة التي زرت والبشر الذين التقيت والمعاني التي عليها قبضت.
في تاريخنا سندباد أرّخ ورصد وأردفنا معه في رحلاته الشائقة. إنه أمير الرحّالين المسلمين المؤرخ والقاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة (1304 - 1368م/ 703 - 779ه) حمل لنا وجوهاً وأمكنة وحتى الروائح من بلاد جاس خلالها وخبر أهلها بعاداتهم وأمزجتهم. اختصر لنا معرفته بالسفر بالقول «السفر، يتركك بلا كلمات ثم يحولك إلى راوٍ للقصص».
وقتئذ، كان ابن بطوطة كاميرا عالمنا الإسلامي، بعينه الفاحصة وتأملاته المدهشة. كان يحمل بشر وقته وبشر هذا الوقت على بساطه السحري من خلال رصده وتناولاته. يصبح ذلك الرحالة مقيماً في الأمكنة تلك حتى بعد مغادرته لها، بفعل الأثر الذي تركته والتراكم الغني الذي أحدثته.
وحدهم الذين يتعاملون مع السفر بوصفه انتقالاً من مكان إلى آخر، يسجّلون خسارات يراكمونها. سفر لا تُراكم فيه معارف وصداقات وتأملات ووقوفاً على أحوال الشعوب ونمط تفكيرها وإنجازاتها ونجاحاتها وحتى فشلها، مضيعة للوقت وإهدار للمال وسَفَهٌ يمكن لأي عين أن تلتقطه وتستوعب درسه.
وأجمل السفر ذلك الذي لا تجهد نفسك في وضع خطط له، من أين تبدأ وإلى أين تصل. أن تترك لنفسك حرية الذهاب بحثاً عن تيهك. كأنك لا تريد الوصول. في الوصول مساس بمتعة السفر. الطريق إليه أول المتعة وعليك ألّا تفسد تلك المتعة بخمول يتزامن مع الوصول. انتباهتك تقطع الطريق على ما يمكن إفساده بشعور الوصول. ذلك هو «المسافر الجيد. ليس لديه خطط ثابتة، وليس مصمماً على الوصول» بحسب الفيلسوف الصيني لاوتسي.
وعلى مقربة من الحقيقة يضعنا الروائي والكاتب والمصلح الاجتماعي إميل زولا أمام حقيقة تتكشّف مع تكرار التجربة والممارسة بقوله «لاشيء يطور الذكاء مثل السفر». ثم إن «الحياة في السفر» بحسب تعبير الشاعر البحريني قاسم حداد. «وضعتني في المهب وقالت: ليست الحياة في الأرقام. الحياة في السفر».
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة