بغض النظر عمّا ستؤول إليه النتائج النهائية للانتخابات الإسرائيلية، فإن المفاجأة المدوية التي حققتها الأحزاب العربية بحلولها في المركز الثالث مع حصولها على نحو 19 مقعداً في الكنيست، يمثل إنجازاً تاريخياً بلا شك، يجعل منها كتلة مانعة أمام المعسكرين الكبيرين لتشكيل الحكومة المقبلة.
هذه النتيجة لم تأت من فراغ، بقدر ما جاءت رداً على السياسات الإسرائيلية التمييزية، وترك المجتمع العربي الفلسطيني عرضة للفوضى والإهمال والتهميش والجريمة المنظمة التي راح ضحيتها عشرات الفلسطينيين في الداخل، بفعل السياسات المتعمدة التي انتهجها الوزير المتطرف بن غفير، باعتباره وزيراً للأمن، وأيضاً رداً على السياسات التي انتهجها الائتلاف الحاكم ضد القضية الفلسطينية برمتها، بما في ذلك حرب الإبادة في غزة والتوحش الاستيطاني في الضفة الغربية، وعدم الاستعداد للبحث عن تسوية للصراع. وهو ما أدى إلى توحيد الأحزاب العربية، واندفاع المجتمع الفلسطيني في الداخل للتصويت بكثافة فاقت التوقعات في هذه الانتخابات.
تكمن أهمية هذه النتيجة التاريخية، في أنها منعت معسكر نتنياهو من الوصول إلى أغلبية ال 61 مقعداً التي تمكنه من إعادة تشكيل حكومة اليمين واليمين المتطرف. وبالمقابل أبقت الباب مفتوحاً أمام المعارضة، أو معسكر التغيير بزعامة آيزنكوت للتعامل مع خيارات متعددة، ومنها تشكيل حكومة أقلية تستند إلى شبكة أمان توفرها الأحزاب العربية من الخارج. إذ من المعروف أن كلا المعسكرين، معسكر نتنياهو ومعسكر آيزنكوت يرفضان مشاركة الأحزاب العربية، أو الاعتماد عليها في تشكيل أي حكومة مقبلة، وذلك على خلفية هجوم 7 أكتوبر وتداعياته.
وسبق أن جرت محاولة لإقصاء الأحزاب العربية نهائياً عن الانتخابات، قبل أن تعيدها المحكمة الإسرائيلية العليا إلى المشاركة. لكن ثمة ما ينبغي الإشارة إليه، وهو أن نتنياهو لن يستطيع تشكيل الحكومة من دون حصوله على 61 مقعداً، ومع ذلك، فهو يملك، في نفس الوقت، خيارات أكثر مما تملكه المعارضة، ومنها الذهاب إلى انتخابات مبكرة جديدة، يرى المحللون أنها ستكون في صالحه، أو تشكيل ما يسمى «حكومة وحدة»، رغم أنها مرفوضة بشكل قاطع من آيزنكوت، لكن هذه المسألة تظل تخضع للقرار الأمريكي، وفق المراقبين. وبالمقابل، تجد المعارضة أو معسكر التغيير نفسها أمام فرصة تاريخية يصعب أن تتكرر للإطاحة بنتنياهو، وبالتالي فإن موقفها من الأحزاب العربية قبل الانتخابات قد يتغير بعدها، وبما أن السياسة هي فن الممكن، فإنها قد تعيد حساباتها وتتجه إلى التفاوض حول تشكيل حكومة أقلية، مدعومة بشبكة أمان توفرها الأحزاب العربية من الخارج، ما يعني أنها لم تتنازل عن موقفها بشأن مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة، لكنها أيضاً قد تلبي بعض الشروط التي يطالب بها المجتمع الفلسطيني في الداخل، إن على صعيد الحد من الجريمة والفوضي، أو ضبط الانفلات الاستيطاني، أو تحسين حياة الفلسطينيين.
