الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أبعد من اليمين واليسار

29 أكتوبر 2026 00:00 صباحًا | آخر تحديث: 29 أكتوبر 2026 00:01 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أمام الأزمات والتحديات الاستثنائية التي تواجهها الديمقراطيات العريقة، تجد النخب السياسية والمجتمعات نفسها أمام مسؤوليات تاريخية لعبور مرحلة حرجة ودقيقة. كما توجه خياراً وحيداً لتغيير هذا الوضع بأقل ما يمكن من خسائر وتضحيات، ويكون حصراً عبر صناديق الاقتراع بعيداً عن مسارات «الثورات» التي تذهب بمقدرات البلدان وتدخلها في حروب أهلية تدمر الحاضر والمستقبل.
الداعي إلى طرح هذه المقاربة ما تشهده دول أوروبية من قلق وجودي واجتماعي يرافقه صعود لافت وغير مسبوق لتيارات من أقصى اليمين وأقصى اليسار، بدأت تهيمن على المشهدين السياسي والانتخابي، بينما باتت القوى التقليدية الوسطية مهددة بفقدان إرثها الطويل في إدارة الشؤون العامة كما هو الحال في فرنسا. والوضع نفسه ينسحب على معظم الدول الأوروبية، ومنها إيطاليا وألمانيا وإسبانيا، التي تعيش مخاضاً سياسياً حاداً جراء اشتداد الأزمة الاقتصادية بفعل عوامل خارجية أساساً ومنها الحرب الدائرة في أوكرانيا والوضع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة وزيادة التضخم.
وقد دفعت هذه الإكراهات القسرية إلى حركات احتجاجية تندفع نحو الراديكالية من اليمين واليسار، كشكل من أشكال الاحتجاج على الأزمات الاقتصادية والملفات الأمنية وقضايا الهجرة. وما يثير القلق لدى كثير من الأوساط أن المخاض الحالي قد يسفر عن تحول بنيوي في أنماط التفكير ومستجدات الواقع وأنظمة الحكم والإدارة، بينما ينذر التراجع التدريجي لثقافة الحوار والتوافق لصالح الاستقطاب الحاد، بإعادة تشكيل الهوية السياسية لأوروبا، إذ لم يعد التحدي مقتصراً على تغيير الحكومات، بل بات يمس جوهر النماذج الديمقراطية وقدرتها على الصمود أمام موجات يمينية ويسارية متنافرة.
للوهلة الأولى توهم الأوضاع الراهنة بأن الحل أمام المجتمعات الديمقراطية يكمن في التوجه إلى اليمين المتطرف، لكن القراءة العميقة لا تنسجم مع ما تطرحه التيارات الشعبوية من مشاريع سياسية غالباً ما تقتات على الأزمات من دون تقديم حلول مستدامة، بل تطلق وعوداً طوباوية بشعارات قومية وانعزالية وفوقية، قد تمنح الناخب شعوراً مؤقتاً بالاستقرار أو الاستجابة لغضبه، لكنها سرعان ما تصطدم بتعقيدات إرث من الاقتصاد المعولم والالتزامات الدولية، وهو ما يعني فشلها في إدارة الأزمة وسقوطها عبر صناديق الاقتراع. ومن التجارب الحية على هذا السقوط الانتخابات الرئاسية الأخيرة في البرازيل والتشريعية في صربيا، وما سيحدث على الأرجح في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي بعد أيام. أمّا الامتحان الحاسم فسيكون مع الانتخابات الرئاسية الفرنسية في الربيع المقبل.
تعثر اليمين الشعبوي في الإقناع لا يعني بالضرورة أن يكون البديل هو اليسار الراديكالي، فكلا التوجهين يلتقي في نقطة مشتركة وهي الاستثمار في الأزمات وتغذية الاستقطاب. ومع ذلك ستظل لليسار فرصة أفضل لإثبات ذاته وممارسة بعض شعاراته الجذابة حول العدالة الاجتماعية وإصلاح التعليم والصحة وكبح التغول الرأسمالي، غير أن هذه الفرصة المتاحة لليسار لا تعني بأي حال من الأحوال فوزاً مطلقاً أو حلاً دائماً للأزمات الراهنة، بل هي، على الأرجح، مخاض مؤقت ومرحلة انتقالية حتمية تهيئ البيئة لولادة فكر سياسي جديد يعبر عن مجتمعات الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، ويستطيع استنباط إيديولوجية جديدة أبعد من الطرحين المتطرف والراديكالي معاً، وترسي بديلاً حقيقياً يعيد التوازن للمجتمعات ويساهم في بناء عالم جديد ينشد الأفضل ويحقق الاستقرار ويعيد للإنسان إنسانيته وأبعاده الروحية والأخلاقية التي تكاد تسحقها الآلة والتقنية المتهورة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة