نجح فريق من الباحثين بقيادة الكيميائي بن شين في معهد هربرت ويرثيم يو إف سكريبس للابتكار والتكنولوجيا الطبية الحيوية في أمريكا، في اكتشاف مركبات طبيعية جديدة ومحتملة مضادة للملاريا من قلب مجموعة ميكروبية فريدة وتاريخية تُعد من الأكبر من نوعها على مستوى العالم.
تأتي هذه الإنجازات في وقت لا تزال فيه الملاريا تشكل عبئاً صحياً هائلاً على الصعيد العالمي، إذ تحصد أرواح نحو 600 ألف شخص سنوياً، معظمهم من الأطفال الصغار بالمناطق الاستوائية، فضلاً عن التحدي المتزايد المتمثل بتطوير الطفيل المسبب للمرض مقاومة ملحوظة للعلاجات التقليدية مثل الكلوروكين والأرتيميسينين، ما يفرض ضرورة ملحة لاكتشاف أدوية مبتكرة ذات آليات عمل مغايرة تمنع تطور تلك المقاومة.
وانطلق الفريق البحثي في رحلتهم العلمية عبر منهجية دقيقة وشاملة استهدفت فحص ميكروبات التربة ومستخلصاتها داخل مجموعة ضخمة تضم 122500 سلالة، حيث بدأ الباحثون بفحص واحد وثمانين مركباً نقياً ليتمكنوا من رصد 6 مرشحين واعدين ينتمون إلى 5عائلات كيميائية، قبل أن يوسعوا نطاق الفحص ليشمل ألفاً وخمسمئة وواحداً وثلاثين عينة ناتجة عن أربعمائة وخمسة وعشرين نوعاً من بكتيريا التربة المعروفة بالأكتينوبكتيريا، والتي أظهر نحو خمسها خصائص مضادة للملاريا.
وعقب استبعاد العينات التي ثبتت سميتها للإنسان، نجح العلماء في استزراع البكتيريا المنتجة لهذه المواد وتحسين إنتاجها وتحديد بنيتها الكيميائية ليطلقوا عليها اسم «اسبايز» اختصاراً لاسم «سفيرياورانتينز»، وهي مركبات تنتمي لمجموعة نادرة وغير مدروسة بما الكفاية تُعرف بـ«سفيريسبورانجيوم».
وأثبتت الاختبارات المخبرية فاعلية مذهلة لأفضل هذه المركبات الجديدة، إذ قضت على تسعة وتسعين بالمائة من طفيل الملاريا المقاوم للأدوية المتعددة المعروف بـ«بلازموديوم فالسيباروم» في خلايا الدم والكبد المزروعة، مما يؤكد قدرتها على استهداف مراحل متعددة من دورة حياة الطفيل ويقلل بشدة من احتمالية تطويره مقاومة دوائية جديدة.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً نحو اعتماد الدواء رسمياً ويتطلب سنوات من الأبحاث لتحديد الخصائص الدوائية وآليات العمل والهدف الجزيئي بدقة، إلا أن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على القيمة الاستثنائية لمجموعة المعهد التي جُمعت عبر عقود طويلة من سبع وسبعين دولة بواسطة شركات الأدوية ومجموعات البحث، لتؤكد مجدداً الأهمية البالغة للحفاظ على هذا التنوع البيولوجي الفريد وتسخيره لخدمة البشرية في مواجهة أخطر التحديات الصحية المعاصرة.