في جعبة الكاتب، إلى جانب الكتب والمقالات التي ترى النور، أفكار لم تكتمل ومسودات أولية قد لا تجد طريقها إلى النشر. يدونها في لحظات الصفاء أو استعادة الذكريات، أو يستلهمها من قراءة أو محاضرة أو حوار عابر، محتفظاً بها على أمل أن تجد مكانها في مشروع كتابي قادم.
لا يشترط أن يجمع بين هذه الأفكار رابط واضح، بل قد تبدو متناقضة أحياناً. إنها أشبه بمخاض ذهني تتفاعل فيه التصورات، وتتجاور فيه الاستنتاجات الأولية مع الأسئلة التي لم تجد جواباً بعد. وما يبدو اليوم شذرات متفرقة قد يصبح، بعد حين، جزءاً من بناء أكثر اكتمالاً. ولعل هذا ما يجعل الأفكار التي لم تنضج بعد جزءاً من العمل نفسه، حتى إن لم تظهر في صورته النهائية.
يشبه الكاتب في ذلك لاعب الشطرنج الذي لا يقتصر تفكيره على النقلات التي نفذها، بل تشمل لعبته أيضاً النقلات التي فكر فيها ثم عدل عنها. فالتفكير في الاحتمالات، وموازنة الخيارات، والتراجع عن فكرة لم تعد مقنعة، كلها عناصر تسهم في الوصول إلى الخطوة التي تستقر عليها اليد أخيراً.
اكتمال العمل لا يعني أن علاقة الكاتب به تنتهي عند هذا الحد. ما أكثر ما نسمع أو نقرأ عن أعمال أدبية أو فكرية أنفق كتّابها سنوات في إنجازها، حيث تخضع للتنقيح والإضافة والحذف والتعديل، إلى أن تبلغ اللحظة التي تصيح فيها كتاباً، بعد أن أصبحت المخطوطة في عهدة دار النشر.
عندئذ، يحدث ما يشبه إطلاق سراح النص من أسر صاحبه، فما دام مخطوطاً، يظل الكاتب قادراً على مراجعته وإعادة تشكيله، لكن صدوره كتاباً مطبوعاً يمنحه حياة مستقلة، ويضعه أمام قراء قد يتلقونه على نحو يختلف تماماً عما تصوره مؤلفه.
وهنا يبرز الفرق بين الكتابة الإبداعية والبحثية، فالباحث يستطيع أن يستدرك أخطاءه أو يراجع استنتاجاته في طبعات لاحقة، مستفيداً من معطيات جديدة، بينما يظل النص الأدبي، في الأصل، مرتبطاً بصورته الأولى التي عرفه بها القراء.
هكذا، لا يقتصر منجز الكاتب على ما كتبه بالفعل ونشره، بل يمتد إلى الأفكار التي استبعدها، والاحتمالات التي تراجع عنها، والتعديلات التي لم يعد بوسعه إجراؤها بعد النشر، فما لم يكتمل يظل، بطريقة خفية، حاضراً فيما اكتمل.
