كنت في الأردن قبل أسبوعين، وعدت منه بانطباع أعرفه منذ زمن، هذا بلد التسامح والتعايش، حيث لا تكاد ترى فاصلاً بين مسلم ومسيحي في حياة الناس اليومية. أبناء الأردن، كباراً وشباباً، يتقاسمون الأفراح والأحزان، مساجدهم إلى جانب كنائسهم، ويتجاورون في العمل والشارع، تجمعهم حقيقة بسيطة لا تحتاج إلى برهان: هذا وطنهم جميعاً.
لذلك كان وقع ما جرى في كنيسة القديس جاورجيوس بقرية حمود في الكرك بالغاً، ففي أثناء جنازة، أطلق مسلحون النار على المشيعين، فسقط تسعة قتلى وأصيب أربعون. جريمة إرهابية بشعة من لحظة التفكير فيها وحتى تنفيذها؛ استهدفت أرواحاً بريئة، واعتدت على حرمة العبادة والجنازة، وأرادت أن تضرب السلم الوطني الأردني في موضع قوته، وهو تماسك المجتمع وتنوعه.
غير أن ما تلا الجريمة كشف أن حسابات الإرهاب لا تصيب دائماً. مشاهد التضامن والتشييع والحضور الرسمي والشعبي الواسع لم تكن مجرد مواساة للعائلات؛ كانت جواباً واضحاً من ملك الأردن ومن شعبه بأن دماء الضحايا قضية وطن، وأن الكنيسة في حمود ليست شأناً يخص المسيحيين وحدهم.
التجارب علمتنا أن في مثل هذه الأحداث التكاتف وحده لا يكفي، فالأصوات التي خرجت لتفرز أبناء الشعب الواحد على أساس الدين، أو لتبرر الكراهية والتحريض، تكشف خطراً لا يقل استهانة عن الرصاص. الجهل حين يُلبس ثوب الدين، والطائفية والكراهية حين تُقدَّمان باعتبارهما موقفاً، كلتاهما تهيئان بيئة للعنف.
وهذا ما أشار إليه سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان في تغريدته: «أن نحارب الإرهاب دون محاربة التطرف كمن يسقي البحر ماءً عذباً في انتظار تحول البحر إلى نهر عذب»، فالتحريض والكراهية والطائفية تهيئ بيئة للعنف. ولا يكفي إدانة الجريمة؛ بل يجب مواجهة التطرف بالقانون والخطاب المسؤول، ومحاسبة المحرضين.
الحقيقة التي يجب أن ندركها تماماً هي أن ما حدث في حمود لا يستهدف الأردن وحده؛ إنه اعتداء على فكرة العيش المشترك واستدعاء خطاب الكراهية التي طالما حاربتها المنطقة لسنوات. لذا، فإن الرد على هذه الجريمة يبدأ من حماية الإنسان، أياً كان دينه، ومن رفض تحويل الاختلاف إلى عداوة وكراهية. والأردن الذي عرفته متسامحاً ومتكاتفاً، يستحق أن يبقى كذلك، وأن تكون وحدة أبنائه أقوى من رصاص الإرهاب وخطاب الكراهية.
X: @MEalhammadi
