الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«الفريج» الجديد

26 أكتوبر 2026 01:15 صباحًا | آخر تحديث: 26 أكتوبر 2026 01:17 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ذهبت أهنئ صديقاً بتخرج ابنه. كان للحفل مُنَسِّقٌ ومُصَوِّر، وصور تُنشر في «الستوري»، ومقاطع تُجهّز ل«الريل». لم أستغرب فرحة الأب، لكن حجم الاستعداد استوقفني. بدا الحفل أقرب إلى حفل زواج.
وأنا أدخل، لفتتني كاميرا على الجدار. خُيّل إليّ أنها تتحرك وتتابع خطواتي. لا أعرف إن كانت تفعل ذلك فعلاً، لكن المشهد أعادني إلى عيون الآباء والأجداد في السوق. كنا نعدّل مشيتنا وننتقي كلماتنا إذا مررنا بهم. كانوا يعرفوننا، ونعرف ما ينتظرونه منا. أما الكاميرا فلا تعرف أحداً.
تذكرت «الفريج» القديم. نقول إنه كان يجمع الناس، وهذا صحيح، لكننا ننسى لماذا. كان التنقل صعباً، والتسلية قليلة، والبيوت متلاصقة. والأسر تعرف بعضها بعضاً منذ سنوات، وتتقارب ظروفها، وتتشابك بينها صلات القرابة والجيرة. لم يكن اللقاء يحتاج إلى موعد أو ترتيب.
وكان الطفل يعرف أن خبر تصرفه قد يصل إلى أهله قبل أن يصل هو. والجار الذي يهبّ لمساعدتك وقت الحاجة قد يعرف أيضاً كثيراً من أسرارك.
في أحيائنا الجديدة، أصبحت الأسوار والكاميرات تؤدي بعض ما كان يقوم به الجيران حين يعرف بعضهم بعضاً. نلتقي في المناسبات أكثر مما نلتقي مصادفة. وحتى المسجد، الذي لا يزال يجمع الناس، لم تعد الوجوه نفسها تلتقي فيه دائماً، فهذا يصلي قرب عمله، وذاك في مسجد آخر.
قد نسكن سنوات قرب أناس لا نعرف أسماءهم، بينما نعرف أخبار أصدقاء يعيشون بعيداً عنا. لدينا اليوم خصوصية أكبر، وحرية أوسع في اختيار أصدقائنا، ووسائل كثيرة لحماية بيوتنا.
في تلك الليلة، جمعتني مناسبة بأصدقاء كانت تجمعني بهم طرقات «الفريج» كل يوم. لم أرَ بعضهم منذ تركنا حيّنا القديم. وها نحن نلتقي في حفل تخرج ابن أحدنا. ونحن اليوم الآباء الذين كنا نهابهم ونحترمهم صغاراً.
وأنا أغادر، فكرت فينا وفي أبنائنا. ما الذي يجمعنا اليوم، حين لا يجبرنا شيء على الاجتماع؟ وما الذي سيجمعهم هم حين يكبرون؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة