نمت وتزايدت مفاهيم حياتية باتت لها الكلمة العليا، والصوت الأهم في واقعنا الاجتماعي، مثل مهارة بناء شبكات العلاقات، أو مهارة التواصل المهني الذكي، أو مهارة اختيار علاقاتك...إلخ. وجميعها تؤدي لمفهوم واحد وهو العلاقة الاجتماعية مع الآخرين، لكن إطارها ومحدداتها تصب في جانب المهنة والمنفعة، بل تقوم على معايير المصلحة الوظيفية، وليست على الجانب الإنساني والحاجة الذاتية. وقد يكون هذا النمط في التفكير والتوجه مقبولاً، عندما يكون محصوراً في جوانب المهنة والنمو الوظيفي والتطور في مجال العمل، لكنها، وفي هذا العصر تحديداً، تجاوزته إلى مختلف مفاصل الحياة الاجتماعية المعتادة والمتعارف عليها. وهذا يعني أن مختلف فعالياتنا باتت محكومة بالمصلحة والفائدة من الطرف الآخر، ولم يعد السؤال عن قيم ومبادئ وأفكار، بل عن الموقع الوظيفي، وكيفية الاستفادة منه. يسمي البعض هذا النهج والطريقة في التعامل مع الآخرين ذكاء اجتماعياً، ومتوافقاً مع متطلبات العصر، لكن في عمق هذه الممارسة كلفة باهظة على المستوى النفسي والاجتماعي، لأنها تقود نحو فقر المشاعر وجفاف وقسوة، وهذا بسبب طبيعي وواضح؛ فعندما تصبح الصلات بمعاير المنفعة نفقد الأمان العاطفي، فلا نحتاج لتفكير عميق، فالإنسان يدرك في قرارة نفسه أن ما يظهر من اهتمام به وحب له، هو بسبب منصبه وموقعه الحالي، وليس من أجل ذاته وشخصيته. ومنذ قرون طويلة ضاربة العمق في الزمن يدرك الإنسان هذا الجانب ويفرق في العلاقات والصداقات بين تلك التي تقوم على المنفعة والكسب وتلك التي تقوم على الوفاء والصدق والحب، فالفيلسوف الإغريقي الشهير أرسطو ينسب له أنه فرّق وقسّم الصداقات إلى أنواع، من بينها: صداقة المنفعة، وصداقة الفضيلة. وبيّن أن صداقة المنفعة هي الأضعف والأقصر عمراً، لأنها تتلاشى وتنتهي بمجرد انتهاء المصلحة، ودائماً للمصلحة عمر محدد وقصير، بينما صداقة الفضيلة تستمر لأنها قامت على أسس إنسانية مشتركة، وعلى قيم المحبة وتمني الخير والمصير الواحد.
لا أريد أن يُفهم من كلماتي رفض العلاقات التي تقوم على المنفعة وتبادل المصالح، لأنها عندما تكون في إطارها وتكون مشروعاً لتطوير مسار وظيفي أو تقوية عمل ما، وتبادل للخبرات والمعارف، فإنها تكون صحيحة، لكن الخطأ الذي أرى التنبّه له، أن تتحول العلاقات في مختلف جوانب حياتنا وبصفة عامة لمعيار واحد وهو: كيف أستفيد من هذه العلاقة ومن هذه الصداقة أو هذه المعرفة؟.
