الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الثقافة المعلّبة

30 أكتوبر 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 30 أكتوبر 2026 00:04 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
قيل قديماً الأسلوب هو الرجل، جاءت المقولة في سياق الحديث عن الكتابة الأدبية. ففي مراحل سابقة، ولكنها ليست قديمة جداً، كان لكل كاتب أسلوبه الخاص الذي ينفرد به، حتى إن البعض لم يكن يطلق لقب «أديب» إلا على صاحب الأسلوب المميز والواضح الذي يستطيع القارئ أن يميزه من بين عشرات الأساليب الأخرى. ولم يكن هذا الكلام ينطبق على الأدب وحسب، ولكنه تكرر في كل حقل إبداعي: الموسيقى والسينما وحتى العمارة، وامتد البعض بالفكرة إلى البشر العاديين ممن يسلكون في الحياة سلوكاً خاصاً يجعلنا نقول: هذا الرجل يتميز بأسلوب حياة.
لم تكن صفة الأديب تطلق على كل صاحب أسلوب مميز، ولكن صاحَبتها صفة مبدع، فلكي يكون الكاتب مبدعاً، عليه الانفراد بطرائق تعبير لم يسبقه إليها أحد، فهو يمثل إضافة للحقل الذي يكتب فيه.
ومع الطفرة السكانية والانفلات البشري الذي لم تعرفه البشرية في السابق خلال العقود القليلة السابقة، تضخمت أعداد من يعملون في مختلف الحقول الإبداعية مع تراجع مستويات التعليم، فتحولت الذائقة البشرية تدريجياً من النزعة الجمالية التي تطلق على المميز لقب أديب أو مبدع، إلى النزعة الوظيفية، لم يعد يهم أن نكتب أدباً أو نصنع فناً، ولكن أن نقرأ ما يُكتب، ونشاهد ما يُنتج في السينما والمسرح، واستمرت الألقاب القديمة كما هي، فكل من يكتب الآن يطلق عليه: إما أديب أو مبدع أو فنان، أو مفكر.
لا يرجع السبب في هذه الظاهرة إلى الطفرة السكانية وحسب، وتضخم أعداد من يعملون في الحقول الإبداعية، بحيث طردت العملة الرديئة العملة الجيدة من السوق، ولكن تزامَن ذلك مع متوالية الرأسمالية فائقة الحداثة، والتي سلعت كل شيء، وحولت الثقافة نفسها إلى مفهوم الترفيه، بحيث بات هناك طلب متواصل على الكتاب والسينما والمسرح والموسيقى بغض النظر عن الجودة، فالسوق يطلب ويريد ولا بدّ أن يمتثل الجميع، وباتت الثقافة مثل الوجبات السريعة، بلا طعم أو رائحة.
صحيح أن هناك من ظل متماسكاً في هذه الظروف، ويبحث عن التميز والفرادة، ولكنه تماسك مؤقت، لن يستمر طويلاً، فالرأسمالية فائقة الحداثة في أعلى مراحل ازدهارها الآن، حيث دخل الذكاء الاصطناعي في منطقة ظلت تميز الإنسان على مدار التاريخ، وأعني القدرة على إنتاج الثقافة.
في ظل استخدام الذكاء الاصطناعي في الحقول الثقافية، سنتحول إلى مرحلة ثالثة، وأعني بها الإبداع المعلب، ستنتهي مرحلة الثقافة الوظيفية - الوجبات السريعة، وسندخل إلى مرحلة الثقافة المعلبة، حيث لا توجد أي لمسة خاصة ستميز منتجاً ثقافياً عن آخر، ودخول التقنية في هذا المجال سيغري كتلاً ضخمة من البشر على تجريب حظوظها في مجالات الكتابة والفنون، وستختفي رويداً رويداً أي رغبة في التميز، و سنرى أعمالاً ربما كتب عليها «خالية من الفرادة». فطرائق الكتابة ستكون واحدة والأفكار متشابهة والأحاسيس باردة والخيال شبه غائب، ومع تعليم يتحكم فيه الذكاء الاصطناعي، وثقافة تنتجها التقنية، لن يكون لفكرة الإنسان نفسها أي معنى.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة