في سن التاسعة عشرة، وبينما كان كثير من أقرانه يستعدون لبدء حياتهم الجامعية، كان الأمريكي مايك ساترلي يدير مشروعاً تجارياً يحقق إيرادات سنوية تتجاوز 800 ألف دولار، بعدما بدأ بفكرة بسيطة للطباعة ثلاثية الأبعاد في قبو منزل والديه، مستفيداً من شغفه بالتصميم وقدرته على تحويل الأفكار إلى منتجات تلقى رواجاً عبر الإنترنت.
بحسب تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي» ضمن سلسلة «كيف حققت نجاحي»، أسس ساترلي شركة «كروز كب»، المتخصصة في تصميم وإنتاج حوامل وأكواب عازلة للمشروبات، باستخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد. وحققت الشركة إيرادات إجمالية بلغت 808 آلاف دولار خلال عام 2025، من المبيعات عبر موقعها الإلكتروني ومتجرها على منصة «تيك توك»، إضافة إلى إيرادات محدودة من «أمازون».
من قبو المنزل إلى مستودع
بدأت قصة ساترلي مع الطباعة ثلاثية الأبعاد خلال سنته الأولى في المرحلة الثانوية، عندما تعلم استخدام هذه التقنية في مادة دراسية متخصصة في التصميم والرسم للإنتاج. وبعد أن جمع مدخراته من الهدايا والمشروعات الصغيرة التي خاضها سابقاً، اشترى في سبتمبر من عام 2022 طابعة ثلاثية الأبعاد بنحو 500 دولار.
وفي يونيو من عام 2023، أطلق مشروعه الأول «سولفلي»، من قبو منزل والديه، لتصنيع وبيع إكسسوارات صغيرة تُثبت على أحذية «كروكس». وتمكن المشروع من تحقيق مبيعات تُقدر بنحو 250 ألف دولار خلال عام 2024، وفق تقديراته، ما وفر له رأس المال اللازم لتوسيع نشاطه.
ومع نمو الطلب، استأجر في نوفمبر من عام 2024، مستودعاً بمساحة 3 آلاف قدم مربعة في مدينة «كليفتون بارك» بولاية نيويورك، مقابل 3600 دولار شهرياً، لنقل الطابعات وتوسيع قدرته الإنتاجية.
وقبل تخرجه من المدرسة الثانوية بأشهر، قرر ساترلي عدم الالتحاق بالجامعة، والتفرغ لإدارة مشروعه، بعدما وجد أن لديه فرصة حقيقية لبناء عمل تجاري قابل للنمو. وبدأ في تجربة منتجات جديدة، ولاحظ أن محولات حوامل أكواب السيارات، التي تتيح تثبيت أحجام مختلفة من المشروبات، تحقق اهتماماً أكبر على وسائل التواصل الاجتماعي وهوامش ربح أعلى من إكسسوارات الأحذية.
منشور واحد يحقق 100 ألف دولار
كانت نقطة التحول الأبرز في أغسطس 2025، عندما نشر ساترلي عبر «إنستغرام» مقطعاً يعرض فيه منتجاً جديداً لشركته «كروز كب»، وهو حامل عازل مبتكر يمكنه استيعاب علبتين من المشروبات، سعة كل منهما 12 أونصة، مع إمكانية إدخال العلب وإخراجها من الأعلى أو الأسفل.
وجاء التصميم الجديد بعد ملاحظته منتجات منافسة تتطلب إخراج العلبتين للوصول إلى المشروب الثاني، فقرر تطوير نموذج يوفر استخداماً أكثر سهولة. وسرعان ما انتشر المنشور على نطاق واسع، لتتلقى الشركة مئات الطلبات في يوم واحد.
وكانت المفاجأة أن حجم الطلبات تجاوز قدرة الإنتاج المتاحة آنذاك. ففي ذلك الوقت، كان لدى الشركة 60 طابعة ثلاثية الأبعاد، لكن حسابات ساترلي أظهرت أن تنفيذ الطلبات المتراكمة سيستغرق نحو ستة أسابيع.
وحققت «كروز كب» إيرادات بلغت 100 ألف دولار خلال ذلك الشهر، بزيادة تقارب 60% على أعلى إيرادات شهرية حققها في مشروعاته السابقة. وانتظر الشاب تدفق الإيرادات لشراء مزيد من الطابعات وتوسيع الإنتاج، بدلاً من الاكتفاء بالنجاح المؤقت الذي حققه انتشار المنتج.
إعادة استثمار الأرباح في التوسع
لم يكن النجاح الذي حققه المنشور مجرد موجة انتشار عابرة، إذ واصلت الشركة نموها، وبلغت إيراداتها الإجمالية 808 آلاف دولار خلال 2025، وفق مستندات اطلعت عليها «سي إن بي سي».
وتعمل الشركة حالياً بفريق صغير يضم ساترلي وموظفاً آخر، وتعتمد على 160 طابعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج منتجاتها البلاستيكية في نيويورك، فيما تستورد النماذج المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ من مصنع في الصين.
ورغم تحقيق الشركة أرباحاً، لا يحصل ساترلي لنفسه سوى على ما يتراوح بين 500 و1500 دولار شهرياً، إذ يعيد استثمار الجزء الأكبر من العائدات في شراء طابعات إضافية، والإعلانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتطوير منتجات جديدة. ويساعده في ذلك إقامته مع والديه وعدم تحمله تكاليف الإيجار والمعيشة بصورة مستقلة.
ويخطط ساترلي لمواصلة توسيع نشاط «كروز كب»، من خلال إضافة تقنية الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية، إلى جانب طرح أنواع جديدة من أدوات وأكواب المشروبات. كما يسعى إلى توظيف فريق تسويق أكبر، بهدف إدخال منتجات الشركة إلى متاجر التجزئة والوصول إلى قاعدة أوسع من المستهلكين.
سوق متنامية وفرص متزايدة
يأتي نجاح ساترلي في وقت تشهد فيه منتجات الطباعة ثلاثية الأبعاد انتشاراً متزايداً، مع انخفاض تكاليف بدء المشروعات المرتبطة بها نسبياً، وإمكانية تصنيع منتجات متنوعة بكميات محدودة، ثم زيادة الإنتاج مع ارتفاع الطلب.
ووفقاً لمتحدث باسم شركة «شوبيفاي»، ارتفعت مبيعات المنتجات المطبوعة ثلاثية الأبعاد عبر منصتها بنسبة 112% خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2025 إلى سبتمبر 2026.
وتوضح تجربة ساترلي كيف يمكن لمشروع صغير أن يتحول إلى نشاط تجاري واسع خلال فترة قصيرة، من خلال الجمع بين الابتكار ومراقبة احتياجات المستهلكين والاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي في التسويق، مع إعادة توظيف الإيرادات في تطوير المنتجات والقدرات الإنتاجية.
ويقول ساترلي إنه يستيقظ كل يوم متحمساً للذهاب إلى العمل، مضيفاً أنه لا ينظر إلى ما يقوم به باعتباره وظيفة تقليدية، بل باعتباره نشاطاً يستمتع به، لأنه يحب البناء وتصميم الأشياء وتطويرها. ويبدو أن هذا الشغف، إلى جانب استعداده للمخاطرة والتعلم والتجربة، كان من أبرز العوامل التي ساعدته على الانتقال من طابعة واحدة في قبو منزل والديه إلى شركة تحقق مئات الآلاف من الدولارات سنوياً.