هل أنت واثق من أن من المثقفين العرب قوماً مبتلون بالتبعية الثقافية؟ مرضى المصطلحات يزيدون الطين بلّة، يسمّونها الاستلاب الثقافي، كأن الشخص يسلب نفسه بنفسه قرباناً للتبعيّة، هياماً بالاستلاب، وكأنه بلا جذور يستقي منها القيم الحضاريّة.
التبعية الاصطلاحية ليست مشكلةً، ولا الحساسية ناجمة بالضرورة عن مركّب نقص، فالقضية تتمثل في انعدام الخصوبة الثقافية المولدة لمحركات الإبداع، طوال التاريخ المعاصر. كنّا نتمنى أن تكون المصطلحات، في العلوم الإنسانية، في الأقل، التي لا رياضيات فيها ولا فيزياء، من جراب منظومتنا الثقافية، من مزود تاريخنا وحضاراتنا. كيف تريدني أنا ابن التراث الجاهلي والعصور الإسلامية، أن أستوعب بيسر مصطلحات مثل التاريخانية (هيستوريسيتي). أنا ابن الرواة ذوي العنعنات. ما ضرّ لو أضافوا إليها: التاريخانوية والتاريخينية؟
لا يغيبنّ عن الأذهان أن التبعية الاصطلاحية، تخفي متتاليات تبعيّات واستلابات أخرى. المصطلحات التي لا يأخذها البعض على محمل الجدّ، إنما هي رؤية وطريقة تفكير، ومنهجيّة بحثيّة. وعندما يتعلق الأمر بالتاريخ، فإن الانعكاسات حتمية على المجتمعات والجغرافيا، والجغرافيا السياسية والاقتصاد. عندها يصبح التابع يفكّر مثل أولئك، ويسلك سلوكهم، كتابع لا كصاحب فكر أصيل مستقل. حين يتقمص شخصيتهم، لا يصير هم، لأنه سيخدم غاياتهم وأغراضهم هم، فيزداد انبتاتاً عن سربه وبيئته ومنظومة قيمه.
تأثير الأفكار في السلوكيات، لا يحتاج إلى دليل، فالتفاصيل الهزيلة تفي بالبرهان. أشياء مفخّخة بالمضارّ، مثل الوجبات السريعة، أمست نظاماً غذائياً عالمياً. الأفلام الوثائقية تكشف ما تمارسه الشركات العملاقة في تربية الدواجن من أعمال وحشية، إضافة إلى سموم المشروبات الغازية والملوّنات، وتركيز السكر والملح، سوى أن القاعدة التي تحميها القوانين هي: ما لا يقتل فوراً مباح. هل فكّر الناس في قصة البناطيل الممزقة من خلف ومن قدّام؟ ماذا تعني الموضة بالضبط؟ هل تتوقع أن يفكّر المنجرفون، في قضايا أوطانهم وأمّتهم؟ هذا هو المرام والمبتغى لدى المخططات المغرضة. فما بالك بالعظائم التي تجرف لتحرف أدمغة المثقفين الذين تنتظر الشعوب منهم الهدي إلى سبل الحضارة والغد المشرق.
لزوم ما يلزم: النتيجة العجبيّة: حتى الساعة لم نر أفكاراً رائدةً مستمدةً من منظومة ماضينا وقيمنا. هل نجحت البلدان العربية في مثقال ذرّة من التبعية الثقافية؟ أين مواقف المثقفين؟
