أثمر الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا، منذ عام 1959، فتوقفت شبكة الكهرباء عن العمل، وغرقت المدن والقرى الكوبية في ظلام دامس، بسبب تآكل محطات التوليد، ونقص إمدادات الطاقة إلى هذه المحطات.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد فرض، في يناير(كانون الثاني) الماضي، حصاراً بحرياً شاملاً على كوبا لمنع دخول أو خروج السفن منها، لخنقها وعزلها اقتصادياً. وقال ترامب خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة إن إدارته تسعى إلى إحداث تغيير جذري في الوضع في كوبا، ووصفها بـ «الدولة الفاشلة».
وتعاني كوبا نقصَ مصادر الطاقة، فلديها كمية محدودة من النفط، فهي تنتج 30 ألف برميل يومياً، بينما تستهلك 112 ألف برميل، وتستورد نحو 60% من احتياجاتها النفطية، وفق إحصاءات وكالة الطاقة الدولية. وكانت تعتمد اعتماداً كبيراً على فنزويلا في هذه الواردات، لكنها توقفت بعد نجاح الولايات المتحدة في اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو.
وتعهد الرئيس ترامب بوقف أيّ نفط متجّه إلى كوبا، ووقّع أمراً تنفيذياً يهدّد بفرض رسوم جمركية على الدول التي تزود كوبا بمنتجات نفطية، ما دفع دولاً عدة إلى التراجع عن إرسال شحنات وقود. كما أرسلت إدارة ترامب حشوداً عسكرية بحرية كبيرة إلى البحر الكاريبي لمراقبة المياه المحيطة بكوبا، ويعد هذا الحصار هو الأكبر منذ أزمة الصواريخ الكوبية. وكانت كولومبيا في عهد الرئيس السابق غوستافو بيترو، قد حاولت كسر الحصار، وأرسلت الناقلة «أوشن مارينر» محملة بألف من 84 ألف برميل، وعندما اقتربت من كوبا، هاجمتها سفينة لخفر السواحل الأمريكي، وأجبرتها على الابتعاد..
ويعيش في كوبا 11 مليون إنسان، وهؤلاء عادوا إلى عصور الظلام، فأصبحت النفايات تتراكم في الشوارع، وارتفعت أسعار الغذاء، وأوقفت المدارس التعليم، كما أجّلت المستشفيات إجراء العمليات الجراحية بسبب نقص الموارد.
وعندما بدأت الحرب الباردة تبنّت الولايات المتحدة سياسة الاحتواء، انطلاقاً من مخاوفها من صعود الشيوعية، فتدخلت في سياسات دول العالم. وقد دعم الاتحاد السوفييتي دولاً كثيرة ترفض السياسات الأمريكية، من بينها كوبا، بينما دعمت الولايات المتحدة الأنظمة المناهضة للشيوعية، بما فيها الديمقراطيات والديكتاتوريات. وبحلول خمسينيات القرن العشرين، انتشرت الأنظمة اليسارية الموالية للاتحاد السوفييتي، بشكل كبير، في دول أمريكا اللاتينية، فعمدت الولايات المتحدة إلى التدخل بعنف، في الشؤون الداخلية لتلك الدول باسم مكافحة الشيوعية.
وكانت كوبا قد أصبحت مستعمرة أمريكية منذ أن تم الاستيلاء عليها من إسبانيا، وفي عام 1952 دفعت الولايات المتحدة أحد أتباعها ويدعى «باتيستا»، للانقلاب على الحكومة الديمقراطية التي كانت قائمة في كوبا، وعزز باتيستا سلطته بدعم من حلفائه الأمريكيين. وكان من أبرز معارضي الانقلاب فيدل كاسترو، الذي قاد وشقيقه راؤول، هجوماً مسلحاً على ثكنات مونكادا، وهي موقع عسكري كوبي. وبعد فشل الهجوم، أُلقي القبض على فيدل كاسترو وشركائه في المؤامرة، فشكلوا، أثناء احتجازهم، حركة 26 يوليو.
ومن ثم منح باتيستا العفو لمهاجمي ثكنات مونكادا الناجين، ففرّ فيدل كاسترو وأخوه راؤول إلى المكسيك، وعزز الأخوان موقفهما هناك بكسب العديد من الثائرين اللاتينيين، وعلى رأسهم الثائر الأرجنتيني تشي غيفارا، وعاد الأخوان كاسترو ومعهما باقي الثوار، فتسللوا إلى كوبا، وتحولت قوات الثوار من مقاتلين بدائيين إلى قوة قتالية متماسكة قادرة على مواجهة جيش باتيستا في معارك عسكرية. لكن بعد ذلك تمكن الثوار من الإطاحة بباتيستا، الذي فرّ من البلاد.
وأصبح فيدل كاسترو هو قائد الثورة ورئيس الدولة الجديدة، ومدّ كاسترو يده إلى الاتحاد السوفييتي السابق، وحصل منه على الدعم والرعاية. وفي العام التالي فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على كوبا لا تزال مستمرة حتى اليوم، كما قامت بمحاولات كثيرة لاغتيال الرئيس كاسترو، لكنها لم تنجح في مسعاها. واليوم، وبعد أن انتقل الصراع الدولي من حالة السبات بعد انتهاء الحرب الباردة، إلى حالة الهيجان عبر الحرب الروسية الأوكرانية، وعبر الحرب في الشرق الأوسط، فإن كوبا بات مصيرها مجهولاً، فلا يوجد لها اليوم حليف قادر على إنقاذها مما هي فيه.
