في نهاية كل شهر، يصطدم بعض الناس، بارتفاع في فاتورة مصروفاتهم، وأن معظم دخلهم الشهري قد استُنزف، ومباشرة يبدأ في مراجعة النفقات الكبرى الأساسية، ويصدر قرارات يحاول من خلالها الحد من هذا الارتفاع، وهذه القرارات في بعض الأحيان تكون كبيرة ومؤلمة، وتؤثر في الأسرة أو عليه هو شخصياً، وبعد مضي شهر آخر يكتشف أن الارتفاع مستمر، ومن هنا يبدأ فهم أنه لم يعالج السبب الحقيقي للمشكلة، بل ذهب نحو مسار خاطئ تماماً.
البعض يرى أن إيجار المسكن، أو أقساط السيارة، أو تسديد فاتورة صيانة طارئة، هي الهدر، بينما هذه الجوانب أساسية، ولا يجب المساس بها. والحقيقة أن الهدر الذي يستنزف الميزانية لا يكمن في الأسس التي تقوم عليها جودة الحياة، بل فيما أشار نحوه الاقتصاد السلوكي الحديث، فيما يُعرف بنزيف المصاريف الصامتة.
وهي حالة نمت وانتشرت مع توسع الدفع الرقمي، وسهولة الحصول على القروض المتوسطة والصغيرة، والتي ساهمت في إتمام عمليات شراء بنقرة خفيفة على شاشة الهاتف، وهي حالة تختلف تماماً عما كان عليه الحال فيما مضى، عندما يُخرج أحدهم النقود الورقية من محفظته ويقوم بعدّها وتقديمها للبائع بيده. في تلك الممارسة الماضية كان هناك شعور وملمس بالدفع، ورؤية واضحة بالاستنزاف والخسارة، أما في عصرنا الحاضر، فالسرعة في الدفع، وسهولتها وبساطتها، تجعل لحظة الدفع تمر بخفة متناهية، تسبق حتى العقل في التفكير والتأني.
ومن هنا ظهر ما يُعرف في المجال المالي: فخ المعاملات متناهية الصغر، وهي عبارة عن مبالغ تبدو في ظاهرها تافهة متواضعة، لا تستحق التردد أو حتى الالتفات نحوها، مثل دفع عشرين درهماً قيمة قهوة يومية، وخمسة عشر درهماً رسوماً متدنية لإيصال وجبة سريعة، واشتراك شهري منخفض في تطبيق لا يتم استخدامه إلا نادراً، ومنصة بث نسينا إلغاء التجديد الذي يتم تلقائياً منذ عدة شهور. وغيرها. هذه المبالغ الصغيرة المتفرقة من هنا وهناك، لا ننتبه لها، ولا نوليها الاهتمام، لكن مع عشرات النقرات لدفعات مالية، تصلنا في نهاية الشهر كمبلغ نتوقف أمامه بحيرة، متى صُرف واستهلك هذا المال؟ وكما جاء في الحكمة القديمة التي تقول: السفينة الضخمة، لا تغرقها الأمواج العالية، بل قد يُغرقها ثقب صغير لا يُرى بالعين المجردة، إذا استمر الماء في التسرب عبره دون انقطاع.
