الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

طب الديمومة الصحية يغيّر مفهوم الشيخوخة

2 نوفمبر 2026 17:05 مساء | آخر تحديث: 2 نوفمبر 2026 17:07 مساء
دقائق القراءة - 4
شارك
share
طب الديمومة الصحية يغيّر مفهوم الشيخوخة
icon الخلاصة icon
طب الديمومة يركز على إطالة العمر الصحي عبر مؤشرات متعددة وتدخل مبكر؛ يشمل لياقة القلب وتكوين الجسم والإدراك وساعات لاجينية وتحاليل جزيئية
الهدف من طب الديمومة الصحية لا يقتصر على زيادة عدد السنوات التي يعيشها الإنسان، بل يشمل أيضاً إطالة الفترة التي يتمتع فيها بصحة جيدة، وتقليص السنوات التي قد يقضيها في مواجهة المرض أو العجز.
ومع ذلك، لا يمكن تحديد وتيرة شيخوخة الجسم بالاعتماد على نتيجة فحص واحد، إذ لا يتوفر اختبار أو معيار موحّد يحظى بإجماع عالمي لقياس سرعة التقدم في العمر بدقة. ونظراً إلى أن الشيخوخة تؤثر في أنظمة بيولوجية متعددة داخل الجسم، فإن تقييمها يستدعي الاعتماد على مجموعة من المؤشرات المتكاملة التي توفر صورة أشمل عن حالة الجسم.
لا ترى د.كسينيا بوتوفا، المؤسِّسة والرئيسة التنفيذية لعيادة «لونجفيوم»، أن الهدف من طب الديمومة الصحية يقتصر على إطالة حياة الإنسان، بل تؤكد أن الأهم هو الحفاظ على «العمر الصحي»، أي السنوات التي يتمتع خلالها الإنسان بصحة بدنية وذهنية جيدة، ويظل قادراً على ممارسة حياته اليومية بنشاط واستقلالية، بعيداً عن الأمراض المزمنة الخطيرة والإعاقات التي قد تحدّ من قدراته.
وتوضح أن هذا النهج يعتمد على الكشف المبكر عن العوامل البيولوجية والسريرية التي تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والاضطرابات الاستقلابية، وأمراض العضلات والعظام، والأمراض التنكسية العصبية، واتخاذ التدابير اللازمة للحد من تأثير هذه العوامل قبل ظهور أي تراجع ملحوظ في وظائف الجسم.
ويرتكز هذا التوجه على ما يُعرف بفرضية علم الشيخوخة، التي تقوم على أن استهداف الآليات البيولوجية المشتركة التي تسهم في ظهور العديد من الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن قد يكون أكثر فاعلية من علاج كل مرض على حدة بعد الإصابة به.
وتشكّل المؤشرات الحيوية السريرية والخصائص الظاهرية القابلة للقياس نقطة انطلاق أساسية لتقييم الشيخوخة، إذ توفر مؤشرات استقلاب الغلوكوز والإنسولين ودهون الدم والالتهاب ووظائف الكلى والكبد وتركيب الجسم، معلومات مهمة عن أداء الأجهزة الحيوية. ويمكن الاستفادة من بعض هذه المؤشرات في نماذج حسابية، من بينها مقياس «فينو إيدج»، الذي يعتمد على مؤشرات الدم لتقدير العمر البيولوجي ومخاطر الإصابة بالأمراض والوفاة المرتبطة بالشيخوخة، بدلاً من الاكتفاء بالعمر الزمني وحده.
د.كسينيا بوتوفا
د.كسينيا بوتوفا

وتُشدّد د.كسينيا بوتوفا على أهمية اللياقة القلبية التنفسية، إذ يُعدّ الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين أحد أكثر المؤشرات موثوقية في التنبؤ بالحالة الصحية على المدى الطويل ومخاطر الوفاة. ويعكس هذا المؤشر قدرة القلب والرئتين والعضلات على إيصال الأكسجين إلى أنسجة الجسم والاستفادة منه، ما يجعله مقياساً مهماً للاحتياطي الوظيفي للجسم.
وتُساهم قياسات تكوين الجسم وصحة العضلات في استكمال هذا التقييم، إذ توفّر مؤشرات مثل نسبة الدهون الحشوية المتراكمة حول الأعضاء والكتلة العضلية وقوة العضلات معلومات أساسية عن صحة التمثيل الغذائي ومدى احتفاظ الجسم بقدراته البدنية.
أما تقييم القدرات المعرفية، فيساعد على متابعة صحة الدماغ ورصد التغيرات التي قد ترافق التقدم في السن، من خلال اختبارات تقيس الذاكرة والوظائف التنفيذية ومدى سرعة الدماغ في التعامل مع المعلومات والاستجابة لها. وتكتسب هذه الاختبارات أهمية خاصة عند تكرارها على فترات منتظمة لمتابعة أي تغيرات، لا سيما لدى الأشخاص الذين تستدعي عوامل الخطر لديهم مراقبة أكثر دقة.
وعلى المستوى الجزيئي، تعتمد «الساعات اللاجينية» على تحليل أنماط «مثيلة الحمض النووي»، وهي تغيرات كيميائية تسهم في تنظيم نشاط الجينات من دون أن تؤثر في تسلسل الحمض النووي نفسه. وتختلف هذه الساعات في ما تكشفه عن الشيخوخة، فبعضها يقدّر العمر البيولوجي ومدى تقدمه مقارنة بالعمر الزمني، وبعضها يساعد على التنبؤ بمخاطر الوفاة، فيما تركز نماذج أحدث على قياس وتيرة الشيخوخة، أي سرعة تقدم الجسم في العمر من الناحية البيولوجية، بدلاً من الاكتفاء بتقدير العمر بالسنوات. ومن أبرز الأدوات المستخدمة في هذا المجال «ساعة غريم إيدج» و«مقياس دنيدن بيس» والنسخة اللاجينية من «مقياس فينو إيدج»، التي تعتمد على مثيلة الحمض النووي، بخلاف نسخته السريرية القائمة على مؤشرات الدم.
ويتسع نطاق البحث ليشمل التحليلات الجزيئية متعددة المستويات، مثل التحليل الشامل للبروتينات والتحليل الشامل للمستقلبات، ومؤشرات شيخوخة الجهاز المناعي، إلى جانب قياسات المركّبات السكرية، ومنها أنماط ارتباط السكريات بالغلوبولين المناعي من الفئة جي. وقد تساعد هذه التقنيات على فهم أدق للمسارات البيولوجية المختلفة للشيخوخة، إلا أن كثيراً منها لا يزال يحتاج إلى مزيد من التحقق قبل اعتماده بصورة روتينية في القرارات الطبية.
ويرتبط طول «التيلوميرات»، وهي أجزاء تقع عند نهايات الكروموسومات، بعمليات الشيخوخة من الناحية البيولوجية، لكن فائدته محدودة إذا استُخدم وحده لتقدير العمر البيولوجي لشخص بعينه، نظراً إلى التفاوت الكبير بين الأفراد واختلاف طرق القياس من اختبار إلى آخر.
ويمتد البحث في هذا المجال ليشمل تحليلات تجمع بين دراسة أنواع مختلفة من الجزيئات الحيوية، من بينها التحليل الشامل للبروتينات، والمستقلبات الناتجة عن عمليات الأيض، إلى جانب مؤشرات شيخوخة الجهاز المناعي وتحليل المركبات السكرية. وتشمل هذه التحليلات دراسة أنماط إضافة السلاسل السكرية إلى الأجسام المضادة من فئة الغلوبولين المناعي.جي. وقد تساعد هذه التقنيات على فهم المسارات البيولوجية المختلفة المرتبطة بالشيخوخة بصورة أعمق، إلا أن كثيراً منها لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات للتحقق من دقته وجدواه قبل اعتماده بشكل روتيني في اتخاذ القرارات الطبية.
أما التيلوميرات، فهي تراكيب واقية تقع عند نهايات الكروموسومات ويرتبط طولها بعمليات الشيخوخة على مستوى الخلايا. ومع ذلك، فإن قياس طولها وحده لا يكفي لتقدير العمر البيولوجي لشخص معين بدقة، نظراً إلى التفاوت الكبير بين الأفراد واختلاف طرق القياس المستخدمة.
ومن هذا المنطلق، ترى د.كسينيا بوتوفا أن اختزال العمر البيولوجي في رقم واحد لا يوفر صورة دقيقة عن حالة الجسم، وأن التقييم الشامل أكثر فائدة، إذ يجمع بين المؤشرات السريرية والخصائص الظاهرية القابلة للقياس واللياقة القلبية التنفسية وتكوين الجسم وصحة العضلات والقدرات المعرفية، مع الاستعانة بالمؤشرات الجزيئية والتحليلات متعددة المستويات عند الحاجة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة