في زمن تتسارع فيه المتغيرات، وتتعدد فيه مصادر التأثير في عقول الأطفال والشباب، لم تعد مسؤولية الأسرة تقتصر على توفير التعليم الجيد والحياة الكريمة للأبناء، بل أصبحت مهمتها الأهم أن تزرع في نفوسهم ما يجعلهم قادرين على التمييز بين الصواب والخطأ، وأن تمنحهم البوصلة الأخلاقية التي ترشدهم إلى مايحميهم في عالم تتداخل فيه الأفكار والثقافات والسلوكيات.
الأوطان لا تُبنى بالعلم وحده، ولا تقاس نهضتها بما تحققه من إنجازات مادية فقط، وإنما بما تنجح في تربيته من أجيال تحمل قيماً راسخة، وتعرف معنى المسؤولية، وتحترم الآخر، وتدرك أن الحرية لا تنفصل عن الأخلاق، وأن النجاح الحقيقي لا يكون على حساب الآخرين.
من هنا تكتسب الرسائل التي وجهتها قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة مجلس الشارقة للأسرة والمجتمع، إلى أطفال وشباب الشارقة، خلال الجلسة الختامية لمجلسي شورى الأطفال والشباب، أهمية تتجاوز المناسبة ذاتها، لأنها تفتح باباً للنقاش حول قضية تمس كل أسرة وكل مجتمع: كيف نربي جيلاً متعلماً ومواكباً للعصر، من دون أن يفقد ارتباطه بجذوره وهويته وقيمه الإنسانية؟
غرس القيم ليس درساً تلقنه الأسرة لأبنائها، ولا مجموعة من النصائح التي يسمعونها في المناسبات، بل هو عملية تربوية يومية تبدأ من التفاصيل الصغيرة. فالطفل الذي يرى والديه يحترمان بعضهما والآخرين يتعلم الاحترام بالممارسة، والذي يشاهدهما يعتذران عند الخطأ يدرك أن الاعتراف بالخطأ قوة وليس ضعفاً.
الأبناء لا يتعلمون مما نقوله لهم بقدر ما يتأثرون بما يرونه منا. لا يمكن أن نطالبهم بالصدق إذا اعتادوا سماع الكذب، ولا أن ندعوهم إلى التسامح بينما يشاهدون التعصب في سلوكياتنا، ولا أن نطلب منهم احترام الكبير والصغير إذا كانت لغة الحوار داخل المنزل تفتقر إلى الاحترام.
تزداد هذه المسؤولية أهمية في ظل عالم رقمي مفتوح، لم تعد فيه الأسرة المصدر الوحيد للمعلومة أو التأثير.
مهم أن نمنح الأطفال والشباب الثقة والمساحة للتعبير عن أفكارهم والمشاركة في الشأن العام، وأن نتعامل مع آرائهم بجدية، لا باعتبارهم صغاراً ينتظرون أن يكبروا كي يصبح لهم دور.
إن الأسرة التي تزرع في أبنائها الرحمة والصدق والتواضع والانتماء، لا تربي أفراداً صالحين فحسب، بل تسهم في صناعة مجتمع أكثر تماسكاً وأمناً وتسامحاً. فالقيم هي الإرث الذي لا تفقده الأجيال مهما تغيرت الأزمنة، وهي الثروة التي تنتقل من الآباء إلى الأبناء من دون أن تنقص.
