تقاس قوة المشاريع الثقافية دائماً بما تتركه من أثر، وأيضاً بقدرتها على بناء بيئة تساعد الثقافة على الاستمرار والتجدد، فالكتاب لا يمكن اختصار مساره في لحظة الكتابة أو في وصوله إلى رفوف المكتبات، إذ إنه بين المؤلف والقارئ سلسلة طويلة من العمل تبدأ بالنشر، وتمر بالترجمة والتوزيع وإدارة الحقوق، وتمتد إلى الأسواق والمؤسسات التي تمنح الكتاب فرصة الوصول والتأثير.
كلما كانت هذه المنظومة أكثر قوة وتنظيماً، اتسعت مساحة حضور المعرفة، ووصلت الأفكار إلى قراء جدد، وأصبح الإنتاج الثقافي أكثر قدرة على الاستمرار والحضور خارج حدوده الأولى.
من هذه الرؤية يمكن قراءة تجربة سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة هيئة الشارقة للكتاب، ففي مدرسة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، نشأت، على تماس مع رجل الفكر والثقافة وصاحب المشروع الذي جعل من الكتاب والمعرفة ركيزتين في مسيرة الشارقة على مدى عقود، وشقت الشيخة بدور مسارها الخاص، واختارت منذ وقت مبكر أن تدخل إلى عمق صناعة الكتاب وأن تتعامل معها بوصفها منظومة متكاملة.
وأولت سموها اهتماماً خاصاً بالرحلة التي تبدأ عند المؤلف، ثم تمر بالناشر والمترجم وحقوق النشر والتوزيع والأسواق، حتى يصل الكتاب إلى القارئ وتبدأ معه حياة جديدة للنص، ومن هنا اتسعت رؤيتها تدريجياً من نشر الكتاب إلى بناء البيئة التي تساعده على الوصول والتأثير والاستمرار.
تجربة
يتسم حضور سمو الشيخة بدور القاسمي في المشهد الثقافي بالاتساع والتنوع، إذ ارتبط اسمها بعدد من الملفات التي تشكل صلب صناعة الكتاب اليوم، من تطوير قطاع النشر ودعم الترجمة إلى توسيع حضور الكتاب العربي في الأسواق الدولية.
كما أولت اهتماماً بقضايا تمس البنية المهنية لهذا القطاع، وفي مقدمتها حماية حقوق المؤلف، وتعزيز البيئة التي يعمل فيها الناشرون والمترجمون والكتاب. ويعكس هذا المسار رؤية تنظر إلى الكتاب كجزء من حركة ثقافية ومعرفية تتجاوز حدود النشر، وترتبط بتوسيع الوصول إلى المعرفة، وتعزيز حضور الثقافة العربية، وتهيئة الظروف التي تساعدها على الاستمرار والتطور.
لهذا يصعب اختزال تجربة سمو الشيخة بدور القاسمي في مسمى واحد، أو إحالتها إلى مجال ثقافي بعينه، فهي ناشرة، ورئيسة مؤسسة جامعية، وحاضرة في مجالات التعليم وريادة الأعمال والثقافة، وتتولى رئاسة هيئة الشارقة للكتاب، كما ترأست الاتحاد الدولي للناشرين بين عامي 2021 و2022، وكانت أول امرأة عربية تتولى هذا المنصب منذ تأسيس الاتحاد عام 1896، وفي عام 2025 اختارتها اليونسكو سفيرة للنوايا الحسنة للتعليم وثقافة الكتاب.
غير أنه وعلى تنوع وتعدد هذه المناصب الثقافية المهمة، الا أنها تبقى الوجه الظاهر من تجربة سموها، ومن يبحر في سيرتها يدرك أنه أمام امرأة اختارت أن تصنع الطريق، ويتجلى أمامه فكر سموها الذي طوّع كل هذه المواقع لتلتقي في مسار واحد، ولعل ما يمنح تجربتها الفريدة دلالتها الأوسع هو هذا الخيط الذي يصل بين التعليم والثقافة والنشر وريادة الأعمال، حيث تبدو هذه المجالات، على اختلاف أدواتها، متصلة بهاجس واحد وهو كيفية بناء البيئة التي تجعل المعرفة أكثر حضوراً، والثقافة أكثر قدرة على صناعة أثر يتجاوز حدود المؤسسات والفعاليات الثقافية.
بداية الحكاية
في عام 2007 أسست سمو الشيخة بدور القاسمي «مجموعة كلمات»، في مرحلة كانت فيها صناعة النشر العربي، وخصوصاً كتاب الطفل، لا تزال محدودة الحضور في الشراكات والأسواق الدولية، وجاء المشروع برؤية تتجاوز تأسيس دار نشر جديدة، إلى التفكير في قدرة الكتاب العربي الموجّه إلى الطفل على الوصول إلى قراء خارج نطاق اللغة العربية، والدخول إلى أسواق أوسع.
هذا التوجه فتح الباب أمام اهتمام مبكر بالنشر والترجمة والتوزيع وحقوق الملكية الفكرية، وهي ملفات أصبحت لاحقاً جزءاً أساسياً من مسارها الثقافي والمهني، كما شاركت في تأسيس جمعية الناشرين الإماراتيين والمجلس الإماراتي لكتب اليافعين، وارتبط اسمها بمبادرات هدفت إلى توسيع حضور الكتاب وتعزيـــز القـــراءة في المجتمع.
ومع تطور التجربة، اتخذ مشروع «كلمات» بعداً أوسع، فقد تحولت الدار إلى مجموعة نشر متعددة العلامات، ونسجت شراكات مع ناشرين دوليين، ووسعت نطاق توزيع الكتب العربية في أسواق مختلفة، ويكشف هذا المسار جانباً مهماً في تجربة سموها، يتمثل في التعامل مع الثقافة بوصفها قطاعاً يحتاج إلى مؤسسات قوية، وإدارة محترفة، وشبكات توزيع وأسواق قادرة على دعم استمراره ونموه، فالناشر الذي يفكر في الكتاب بوصفه سلعة ثقافية يحتاج إلى سوق، والسوق تحتاج إلى تشريعات وحقوق نشر وتوزيع، وهذه كلها تحتاج إلى مؤسسات قادرة على العمل خارج الحدود التقليدية للمشهد الثقافي.
منظومة معرفية
ارتبط حضور سمو الشيخة بدور القاسمي بمسؤوليات تنفيذية داخل مؤسسات تعمل في الثقافة والتعليم والاستثمار وريادة الأعمال والبحث والتكنولوجيا، ومع اتساع هذه الأدوار بقي الكتاب نقطة أساسية في تجربتها، ومنها امتدت إلى ملفات أكبر تتصل بإنتاج المعرفة ووصولها إلى المجتمع.
في مايو 2023 تولت رئاسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، المؤسسة التي تشرف على معرض الشارقة الدولي للكتاب ومدينة الشارقة للنشر، وجاءت هذه المسؤولية في مرحلة تتجه فيها الشارقة إلى تعزيز موقعها في صناعة النشر، من خلال بناء الشراكات وتوسيع حركة الحقوق والترجمة والتوزيع وفتح قنوات جديـــدة أمام الناشرين والكتّاب.
وكانت سموها قد اكتسبت قبل ذلك خبرة دولية واسعة في القطاع، فقد ترأست الاتحاد الدولي للناشرين خلال 2021 و2022، وأصبحت أول شخصية عربية وثاني امرأة تتولى رئاسة الاتحاد منذ تأسيسه.
وخلال تلك المرحلة حضرت في أجندة الاتحاد قضايا حقوق النشر وحرية النشر واستدامة القطاع والتنوع ودعم صناعة الكتاب في الأسواق المختلفة، وبذلك انتقلت تجربتها من العمل داخل صناعة النشر الإماراتية والعربية إلى المشاركة في النقاش الدولي حول مستقبل المهنة وتحدياتها.
استشراف
في يناير 2023 ترأست سمو الشيخة بدور رئاسة الجامعة الأمريكية في الشارقة، ليضيف هذا الموقع مساراً جديداً إلى تجربتها، فانتقلت من المؤسسات المعنية بنشر المعرفة وتوزيعها إلى مؤسسة تعمل على إنتاجها من خلال التعليم والبحث والابتكار.
وتظهر ملامح هذا التوجه في الملفات التي تعمل عليها الجامعة، خصوصا فيما يتعلق بقرارات تتعلق بالحوكمة الأكاديمية، والموازنات التشغيلية والبحثية، والمشروعات الاستراتيجية، والتطوير المؤسسي، وفي مايو 2026، أطلقت الجامعة «AUS Press» خلال معرض وارسو الدولي للكتاب، لتكون ذراعاً للنشر تعمل على دعم البحث والترجمة وتبادل المعرفة بين المنطقة والعالم.
ويحمل إطلاق دار نشر جامعية دلالة واضحة في سياق النظرة الاستشرافية لسموها، فالجامعة تنتج أبحاثاً وأفكاراً، والنشر يمنح هذه المعرفة فرصة للخروج من نطاقها الأكاديمي والوصول إلى قراء أوسع، كما يفتح المجال أمام الباحثين للمشاركة في الحوار الثقافي، ويمنح الترجمة دوراً أكبر في انتقال الأفكار بين اللغات.
تمكين المرأة
يحضر ملف المرأة بوضوح في تجربة سمو الشيخة بدور، وخصوصاً داخل قطاع النشر، ففي عام 2019 أسست «PublisHer»، وهي شبكة دولية للنساء العاملات في صناعة الكتاب، انطلقت الفكرة من ملاحظة الفجوة بين كثافة حضور النساء في القطاع ومحدودية وجودهن في المناصب القيادية، وركزت الشبكة منذ تأسيسها على تنمية العلاقات المهنية، وتبادل الخبرات، وتوسيع الفرص المتاحة للنساء، وطرح قضايا التنوع والمساواة داخل الصناعة.
هذه الفكرة تتصل بمسار سموها في ريادة الأعمال والتعليم، فالمشاركة في صناعة القرار تحتاج إلى فرص ومؤسسات وشبكات مهنية تسمح بتحويل الخبرة إلى تأثير فعلي، لذا يمكن قراءة أدوارها المتنوعة في هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق»، ومركز الشارقة لريادة الأعمال «شراع»، ومجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار ضمن هذا الإطار الواسع الذي يجمع المعرفة بالاقتصاد والابتكار.
بيت الحكمة
خلال السنوات الأخيرة ظهرت الشيخة بدور القاسمي في موقع آخر داخل عالم الكتاب، وهو موقع الكاتبة والمؤلفة، ففي 2025 حصل كتابها للأطفال «بيت الحكمة» على جائزة «بولونيا راجازي» المرموقة في أدب الأطفال، والتي تمنح سنوياً في معرض بولونيا لكتاب الطفل، وتكرِّم الجائزة الكتب التي تمتاز بجودة المحتوى والتصميم الفني، وتعد من أهم الجوائز العالمية التي تسلط الضوء على الابتكار في أدب الأطفال.
ويسجل هذا الفوز كونها أول امرأة من دولة عربية خليجية تحصل على الجائزة ويستعيد الكتاب قصة بيت الحكمة في بغداد، مستحضراً الدور الذي أدته المعرفة والترجمة والتبادل بين الثقافات في واحدة من أهم مراحل التاريخ العلمي والثقافي.
اقتصاد المعرفة
تكشف هذه الأدوار لسمو الشيخة بدور عن رؤية وفهم واسع للثقافة يتجاوز الفعاليات والبرامج الموسمية، فالكتاب يحتاج إلى ناشر ومترجم وموزع وسوق ونظام واضح لحماية الحقوق، والجامعة تحتاج إلى البحث والشراكات والتمويل، أما الابتكار فيحتاج إلى بيئة تستوعب الشركات الناشئة وتربط المؤسسات الأكاديمية بالاقتصاد.
بهذا المعنى، تبدو مجالات عمل سموها متصلة أكثر مما توحي به مسمياتها، ففي رؤيتها تلتقي ميادين الاستثمار وريادة الأعمال والنشر والتعليم والتكنولوجيا جميعها عند هدف واحد يؤمن بوجوب أن تتحول المعرفة إلى قيمة ثقافية واجتماعية واقتصادية.
وهذه الرؤية تتقاطع مع المسار الثقافي الأوسع للشارقة، الإمارة التي بنت على مدى عقود حضوراً عالمياً ارتبط بالكتاب والمتاحف والفنون والتراث والتعليم، ثم توسعت باتجاه البحث والتكنولوجيا والاقتصاد الإبداعي، ضمن مشروع مستدام يؤمن بأن وجود المؤسسات وحده لا يصنع هذه المنظومة، الأهم هو قدرتها على العمل معا وخلق دورة مستمرة لإنتاج المعرفة وتداولها.
محطات
يصعب اختصار تجربة سمو الشيخة بدور في دور تنموي واحد، فقد بدأت من نشر كتب الأطفال، وأسست لاحقاً مؤسسات تخدم الناشرين والقراءة، ثم انتقلت إلى العمل الدولي في قطاع النشر، والتعليم الجامعي، والاستثمار، وريادة الأعمال، وصولاً إلى الكتابة.
الخيط الذي يصل بين هذه المحطات، هو الطريق الذي تسلكه المعرفة حتى تصل إلى الناس، فالمنظومة مترابطة فالطفل يحتاج إلى كتاب جيد، والكاتب يحتاج إلى ناشر، والناشر يحتاج إلى سوق، والباحث يحتاج إلى مؤسسة تمنح عمله فرصة للخروج إلى الجمهور، والمجتمع يحتاج إلى تعليم يساعد أفراده على إنتاج المعرفة واستخدامها.
من هنا يمكن فهم عمق التجربة لسموها، باعتبارها عملاً على البنية التحتية للمعرفة، فالاقتصاد المعرفي يحتاج إلى مؤسسات متنوعة من جامعات ومكتبات وناشرين ومترجمين ومراكز بحث وحاضنات للابتكار، ويحتاج كذلك إلى مؤسسات قادرة على وصل هذه العناصر بعضها ببعض.
وعلى الرغم من اتساع دائرة عمل سمو الشيخة بدور القاسمي مع السنوات، الا أن الكتاب بقي حاضراً عند كل بداية، ومنه جاءت الأسئلة الأكبر حول صناعة النشر، والوصول إلى المعرفة، ودور الجامعة، ومكان المرأة في صناعة القرار، والعلاقة بين الثقافة والاقتصاد.
وربما تكمن أهمية قراءة تجربة سموها في هذه التفاصيل تحديداً، في أعمالها وأدوارها في ما يسبق وصول الكتاب إلى القارئ، وأيضاً في المؤسسات التي تمنح المعرفة دورة حياة كاملة، وفرصة للحركة والاستمرار والنمو.
مجالات متعددة
في أكتوبر 2025 اختارت منظمة اليونسكو سمو الشيخة بدور القاسمي سفيرة للنوايا الحسنة للتعليم وثقافة الكتاب، وأشارت المنظمة عند الإعلان إلى عملها في مجالات النشر والتعليم والقراءة والابتكار وريادة الأعمال لدى الشباب، وهي المجالات نفسها التي شكلت جانباً كبيراً من مسيرتها خلال السنوات الماضية.
تأمل شخصي
في نوفمبر 2025 أطلقت سمو الشيخة بدور كتابها: «أخبروهم أنها هنا... بحثاً عن ملكة مليحة» الصادر عن دار «روايات» إحدى دور مجموعة كلمات، والذي يجمع بين البحث في تاريخ مليحة والتأمل الشخصي والذاكرة، ويتتبع حضور النساء الحاكمات في تاريخ المنطقة. وفي يونيو 2026 وصلت التجربة إلى جمهور جديد مع إطلاق الترجمة البولندية للكتاب في وارسو.
يضيف الدخول إلى الكتابة بُعداً شخصياً إلى مسيرة أمضت سنوات في صناعة النشر، فالاهتمام هنا ينتقل إلى الذاكرة والمكان والأسئلة التي يتركها التاريخ مفتوحة، ويظهر التراث مادة حية للبحث والقراءة وإعادة تقديم القصص إلى أجيال جديدة، خصوصاً القصص التي غابت طويلاً عن السرد السائد.