محمد مهدي حميدة
لقد مثل صدور كتاب «عبد الهادي الجزار: الأعمال الكاملة» - وهو ما يعرف في الأوساط الفنية باسم «الكتالوج المسبب» - حدثا يتجاوز في أهميته حدود إصدار كتاب فني فاخر أو الاحتفاء بأحد كبار الفنانين العرب، كون هذا الكتاب/ الكتالوج يعد سجلاً علمياً جامعاً يسعى إلى حصر أعمال الفنان وتوثيقها وفحص تاريخها ومصادرها ومراجعها، بحيث يصبح مرجعاً أساسياً للباحثين والمتاحف والمقتنين ودور المزادات.
صدر الكتاب عن دار Éditions Norma واشترك في إنجازه الباحثة الفرنسية فاليري ديدييه والدكتور حسام رشوان، بالتعاون مع مؤسسة عبد الهادي الجزار، وجاء الكتاب في مجلدين فاخرين، خصص أولهما للوحات، بينما تناول الثاني الأعمال الغرافيكية والأرشيف والصور الفوتوغرافية، وقد توج هذا الإصدار مشروع بحثي استغرق نحو ست سنوات، وكان إطلاقه في دار كريستيز بلندن الختام لمسار طويل من البحث وجمع الوثائق وتعقب الأعمال، والأهم أن الكتاب لم يكن التجربة الأولى لمؤلفيه في هذا الميدان، فقد سبقه مشروعهما الكبير «محمود سعيد: الكتالوج المسبب» الصادر عن دار Skira في ميلانو عام 2016، والذي كان أول كتالوج شامل منشور لفنان من الشرق الأوسط، وجاء مشروع الجزار ليكون ثاني تجربة من هذا النوع.
وقد قدم كتالوج محمود سعيد نموذجاً واضحاً لحجم هذا العمل، فقد وثق، بحسب كريستيز، 382 لوحة و379 رسماً و238 وثيقة وصورة أرشيفية.
وتزداد أهمية هذا النوع من التوثيق حين يتعلق الأمر بفنان مثل عبد الهادي الجزار، لأن عالمه نفسه عصي على الاختزال.
تجارب
ولد الجزار في الإسكندرية عام 1925، ثم ارتبط تكوينه الفني والثقافي بالقاهرة، والتحق بكلية الفنون الجميلة سنة 1944، وانضم إلى جماعة الفن المعاصر التي أسسها الفنان حسين يوسف أمين، والتي خرج من محيطها عدد من أبرز وجوه الحداثة المصرية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الفنان حامد ندا.
ولم تكن تجربة الجزار امتداداً بسيطاً للنزعة الأكاديمية السائدة، بل تشكلت لغته من التقاء الواقع الشعبي المصري بالخيال والرمز والمعتقدات الشعبية والنزعات الميتافيزيقية، ثم تحولت في سنوات لاحقة باتجاه عالم الصناعة والآلة والعلم والفضاء.
وتكشف محتويات «الجزار: الأعمال الكاملة» نفسها عن تعدد الأصوات التي حاولت تفسيره، إذ يضم الكتاب نصوصاً لصبري منصور، وعز الدين نجيب، ونعيم عطية، وحسين يوسف أمين، وحسين بيكار، وفؤاد كامل، وحامد ندا، وبدر الدين أبو غازي، وآلان روسيون، وإيميه آزار، وإيناس الهندي وغيرهم، بما يسمح للقارئ بمشاهدة تاريخ استقبال الجزار نفسه، لا مشاهدة لوحاته فحسب.
وقد مر الجزار بتحولات تجعل توثيق أعماله ضرورياً لفهمه، ففي أعماله المبكرة التي ارتبطت بالبيئات الشعبية تظهر الشخصيات المهمشة وشخصيات الفقراء ضمن العديد من الممارسات والمعتقدات الشعبية وخلال الأجواء القائمة بين الواقع والحلم.
ومن أشهر أعمال هذه المرحلة اللوحة المعروفة باسم «الجوع»، وهو العمل الذي ارتبط بأزمة سياسية في أواخر الأربعينيات، بينما تكشف أعمال أخرى للفنان عن ذلك المزج الفريد بين الجسد الشعبي والرمز والجو الغرائبي، قبل أن يتغير عالمه تدريجياً، فالإنسان الذي كان محاطاً بالتعاويذ والإشارات الشعبية أصبح في الستينيات محاطاً بالآلة والهندسة والطاقة والحركة، خاصة في أعماله المرتبطة بالسد العالي والفضاء والتقدم العلمي حيث أمكن للفنان أن يراكم مساحات جديدة خلال قاموسه الرمزي والذي بات فيه العلم الحديث نفسه مادة للدهشة والخيال.
تسلسل زمني
مثل هذه التحولات هي ما يمكن أن تجعل من السجل المسبب مادة راصدة تتيح إعادة بناء الحركة الداخلية لتجربة الفنان، خاصة عندما تصبح مئات الأعمال والرسوم التحضيرية متاحة ضمن تسلسل زمني موثق، يستطيع معه الباحث أن يتتبع تغير الخط واللون والسطح والتكوين، وأن يقارن الاسكتش باللوحة النهائية، وأن يختبر الفرضيات النقدية القديمة بدلاً من تكرارها. كما يمكنه اكتشاف أن بعض عناوين اللوحات التي استقرت في الكتب والمزادات ربما لم تكن هي نفسها العناوين الأولى، وأن بعض التواريخ قد تحتاج بالضرورة إلى مراجعة، وأن عملاً عرفه الجمهور من صورة رديئة بالأبيض والأسود يمكن أن تتغير قراءته جذرياً عندما يعاد تصويره وتحديد ألوانه وخاماته وأبعاده الحقيقية.
ولهذا فإن وظيفة الكتاب/الكتالوج ليست لتثبيت التاريخ والتوثيق المادي والتقني فحسب، وإنما يظل مشرعاً باستمرار على التصويب كلما ظهرت وثيقة أو صورة أو سجل ملكية جديد.
ولعل مشروع محمود سعيد السابق يقدم أفضل مثال عربي على ما يمكن أن يحدث عندما يتحول الأرشيف إلى أداة لإعادة كتابة التاريخ.
ولم يكن اختيار محمود سعيد مصادفة، فهو أحد المؤسسين الأساسيين للتصوير المصري الحديث، وصاحب أعمال عظيمة ورائدة أصبحت جزءاً من الذاكرة البصرية المصرية.
وقد أسس نجاح ذلك المشروع معياراً أصبح من الممكن تطبيقه لاحقاً على الجزار، مع فارق جوهري هو أن عالم الجزار أكثر تشعباً من حيث الرسوم والرموز والتحولات الأسلوبية، الأمر الذي جعل مشروعه تحدياً توثيقياً مختلفاً.
وتظهر أهمية الأرشيف بوضوح أكبر عندما نعرف لماذا يصعب أحياناً إعداد كتالوج شامل لفنان كبير آخر، ففي حديث للدكتور حسام رشوان عن تجربته في هذا المجال أشار إلى أن إعداد سجل لسيف وانلي تعذر بسبب غياب أرشيف شخصي متكامل، وعدم وجود ورثة مباشرين قادرين على استكمال سلسلة المعلومات، إضافة إلى عادة الفنان في إهداء أعمال كثيرة من دون توثيق منتظم، وهي ظروف أدت إلى صعوبة بناء سجل يقيني لأعماله في ظل تفاقم مشكلة الأعمال المنسوبة إليه.
ومن هنا تتصل المسألة مباشرة بسوق الفن وبقضية التزوير، فالعمل الفني الذي ينتقل خلال عقود بين مرسم الفنان ومقتن أول وورثته ثم معرض أو مزاد ومجموعة جديدة يراكم تاريخاً مادياً يشبه السيرة الذاتية.
ومع ذلك ينبغي الحذر من الاعتقاد أن الكتالوج الشامل «وثيقة ملكية نهائية لا تقبل الشك» أو أن غياب لوحة عنه يعني آليا أنها مزيفة، فالكتاب أو الكتالوج هو في حد ذاته مرجع بالغ القوة، لكنه يظل عملاً بحثياً يمكن أن تظهر بعد صدوره أعمال ووثائق لم تكن متاحة للمؤلفين
مشكلة
نص مشروع محمود سعيد نفسه على استمرار إضافة الاكتشافات الجديدة إلى البحث عبر موقع مخصص، ولكن من الصواب إذن أن نقول إن وجود العمل الفني في كتاب/ كتالوج موثوق إنما يوفر سنداً بحثياً مهماً للغاية، بينما غيابه عن هذا الكتاب إنما يتطلب القيام بالمزيد من التحقيق في المصدر والتاريخ والخامة والتوقيع والأدلة التقنية الأخرى ولا يكفي الغياب وحده للحكم بالتزوير.
وتكشف تجربة الجزار أيضاً عن مشكلة أوسع تواجه تاريخ الفن العربي الحديث، هي مشكلة تشتت الأرشيفات بين أسر الفنانين والمقتنين والمؤسسات ودور المزادات، وأيضاً اختفاء كثير من الوثائق والصور والمراسلات.
ولذلك احتاج مشروع الجزار إلى تعاون مؤسسة الفنان والمقتنين والباحثين والمؤسسات التي تملك أعماله، بل إن إعلاناً منشوراً خلال مرحلة إعداد المشروع دعا مالكي أعمال الجزار صراحة إلى التواصل مع المؤسسة لتوثيق ما لديهم وإدراجه ضمن البحث، وهو ما يوضح أن بناء الكتالوج المسبب عملية تحقيق جماعية ممتدة.
وإذا كانت المكتبة العربية قد بدأت بمحمود سعيد ثم عبد الهادي الجزار، فإن القيمة الحقيقية لهذين المشروعين ستكون في قدرتهما على دفع المؤسسات والباحثين إلى توثيق تجارب أخرى قبل ضياع مصادرها. فالفنانون العرب يمكن اعتبارهم مجموعة هائلة من المحطات البارزة في التاريخ الاجتماعي والفكري والبصري للمنطقة، كما أن كل رسالة شخصية يتم فقدها أو ضياعها، وكل دفتر اسكتشات ورسوم أولية يتفرق ويتوزع في الأرجاء، وكل صورة لمرسم أو معرض لا تحفظ، تعني بطريقة أو بأخرى أن جزءاً من القدرة على إعادة بناء ذلك التاريخ سيختفي معها ويذهب دونما رجعة.
وهذا ما يستدعي إنشاء أرشيفات علمية مفتوحة ومنظمة تحفظ الصور والوثائق والمراسلات وبيانات المعارض وسجلات الملكية وتتيحها.
تراكم
يمكن قراءة الكتاب الجامع لأعمال الجزار الكاملة بوصفه عملاً عن الذاكرة بقدر ما هو عمل عن عبد الهادي الجزار، فالكتاب يعيد جمع ما فرقته العقود بين اللوحات والرسوم والصور والنصوص والشهادات، ويضع إلى جوار العمل الفني تاريخه المادي والثقافي، كما أنه يعيد إلى الواجهة أسماء الذين كتبوا عن الجزار وعاصروه.
وفي هذا التراكم تحديداً تكمن «ذاكرة الفن المشروعة» وهي الذاكرة التي لا تستند إلى الرواية الشفهية وحدها ولا إلى سلطة السوق ولا إلى انطباع الناقد المنفرد، وإنما هي الذاكرة التي تتشكل عبر العمل والوثيقة والصورة والمصدر والشهادة والمقارنة والنقد.
لقد رحل عبد الهادي الجزار سنة 1966 وهو في الحادية والأربعين من عمره، لكن قصر حياته لم يمنع تجربته من أن تختصر تحولات شديدة الكثافة في الثقافة المصرية الحديثة: من الحارة والمعتقد الشعبي إلى الثورة والتحول الاجتماعي، ومن الميتافيزيقا إلى الآلة، ومن أسرار الأرض إلى أحلام الفضاء.
أرضية صلبة
ترك الجزار اللوحة لتقاوم الزمن، ومهمة الأرشيف أن يمنحها تاريخها، ومهمة البحث أن يحمي هذا التاريخ من الخلط والنسيان، ومن هنا تأتي القيمة الحقيقية لهذا الكتاب فهو لا يضع نقطة النهاية في دراسة عبد الهادي الجزار، وإنما يوفر للمرة الأولى أرضية أكثر اتساعاً وصلابة يمكن أن تبدأ منها دراسات جديدة، ويقدم في الوقت ذاته نموذجاً لما يمكن أن تصبح عليه كتابة تاريخ الفن العربي حين تنتقل من الذاكرة المتفرقة إلى المعرفة الجادة الدقيقة والتوثيقية الشاملة بالقدر المأمول.