مَن يقود الدعم الغربي لأوكرانيا، ومن يملك التأثير في شروط إنهاء الحرب؟ يزداد هذا السؤال إلحاحاً مع اتساع التباين بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، ما يتجاوز حجم المساعدات العسكرية والمالية، ليطال ترتيب الأولويات وحسابات التسوية.
والواقع أنّ الولايات المتحدة غدت شريكاً أقلّ موثوقية لأوكرانيا، حيث مارست عليها ضغوطاً بطرق عدّة، أهمها تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا، وفرض قيودٍ على خدمات الأقمار الصناعية التي يستخدمها الجيش الأوكراني، مع تأخير تسليم صواريخ الدفاع الجوي، والتهديد بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية.
ويتمثل السبب الرئيسي للخلاف في الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، حيث يحمّل الرئيس ترامب أوكرانيا مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود عالمياً، وهي زيادة يعزوها معظم خبراء الطاقة إلى الحرب الأمريكية الإيرانية.
وقد خُفف بعض هذه الضغوط في وقت لاحق، لا سيما المتعلق منها بتبادل المعلومات الاستخباراتية. كما استأنفت القوات الأوكرانية حملتها بعيدة المدى لاستهداف منشآت النفط الروسية، بعد بضعة أيام من التوقف. ومع ذلك، ظل الاتجاه العام للسياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا من دون تغيير. فقد اقترح مبعوثون أمريكيون أيضاً، أن تفرج الدول الأوروبية عن جزء من الأصول الروسية السيادية المجمدة، وتحوّله إلى صندوق خاضع للسيطرة الأمريكية، بهدف استئناف محادثات السلام. غير أن المسؤولين الأوروبيين رفضوا هذا المقترح.
ويكتسب تطوران آخران أهمية في هذا السياق. أولهما أن الرئيس ترامب دعا نظيره الروسي إلى حضور اجتماع مجموعة العشرين المقرر عقده في ميامي في ديسمبر(كانون الأول). وثانيهما أن الرئيس بوتين اقترح عقد اجتماع مع الرئيس ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، المقرر عقدها في الصين يومَي 18 و19 نوفمبر. وتشير هذه التطورات إلى احتمال أن تناقش القوى الكبرى مستقبل أوكرانيا من دون مشاركة أوكرانيا، أو أوروبا.
ومن ناحية أخرى، تتقدم بريطانيا وألمانيا في تحمُّل أعباء دعم أوكرانيا. وفي هذا الصدد، تضطلع بريطانيا بثلاثة أدوار في الوقت نفسه، تتضمن قيادة جهود فرض العقوبات على روسيا، وتوريد مزيد من الأسلحة إلى أوكرانيا، والاضطلاع بدور الوسيط لتحسين العلاقات بين واشنطن وكييف.
وتستعد بريطانيا أيضاً لاحتمال التوصل إلى اتفاق سلام في المستقبل. ففي نوفمبر الجاري، سيشارك ما لا يقل عن 1500 جندي بريطاني وفرنسي وألماني وبولندي في تدريبات عسكرية في بولندا، تهدف إلى التدرب على إرسال قوة متعددة الجنسيات إلى أوكرانيا بعد وقف إطلاق النار.
علاوة على ذلك، افتتحت بريطانيا مركزاً للأعمال في كييف لدعم الإنتاج الدفاعي المشترك بين الشركات البريطانية والأوكرانية، ودعت دول الاتحاد الأوروبي إلى استخدام الأصول الروسية المجمدة لدعم أوكرانيا.
من جهتها، أصبحت ألمانيا الداعم المالي الرئيسي لأوكرانيا في أوروبا، حيث تُخصص ميزانيتها لعام 2026 نحو 11.5 مليار يورو للمساعدات العسكرية المقدمة إلى أوكرانيا. ولكنّ برلين تواجه ضغوطاً متزايدة على الميزانية.
وتواجه ألمانيا أيضاً تهديدات أمنية مباشرة من روسيا. فقد حذر رئيس جهاز استخباراتها الخارجية من أن ألمانيا معرضة لخطر الانجرار إلى صراع عنيف مع روسيا، وأنّ الأخيرة تشن «حرب ظِل» ضد ألمانيا، تشمل أعمال التخريب والهجمات السيبرانية، وغيرها من الهجمات السرية.
وهكذا، تنتقل قيادة جهود دعم أوكرانيا من الولايات المتحدة إلى بريطانيا وألمانيا، وتتحمل الدول الأوروبية حصة أكبر من التكاليف. ومع ذلك، تظل الولايات المتحدة المورّد الوحيد لبعض المنظومات المهمة، لا سيما صواريخ باتريوت، وخدمات الاتصالات العسكرية عبر الأقمار الصناعية.
وبينما تربط الإدارة الأمريكية خياراتها تجاه الحرب باعتبارات، داخلية واقتصادية، تتعامل بريطانيا وألمانيا مع استمرار دعم كييف بوصفه استثماراً في أمن أوروبا، وقدرتها على التأثير في مستقبلها.
وتكشف هذه التحولات عن إعادة توزيع غير مكتملة للأدوار داخل المعسكر الغربي: تتقدم بريطانيا وألمانيا في تحمُّل أعباء دعم أوكرانيا، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بقدرة واسعة على التأثير في خيارات كييف. ولذلك، يظل الحديث عن انتقال القيادة إلى أوروبا مشروطاً بقدرتها على توفير دعم مستدام، وتقليص الاعتماد على القدرات الأمريكية الحيوية، لا سيما قدرات الدفاع الجوي، وصياغة موقف مشترك من التسوية. فالقيادة تُقاس أيضاً بالقدرة على تحويل الموارد إلى تأثير في مسار الحرب، وشروط السلام.
ويكمن الخطر في أن تتسع الفجوة بين من يتحمل كلفة استمرار الحرب ومن يملك النفوذ الأكبر لتحديد نهايتها، فتجد أوروبا نفسها أمام ترتيبات أمنية لم تشارك بفاعلية في صياغتها. وفي المقابل، قد يفتح تباين المواقف مجالًا لدبلوماسية عملية تحافظ على قنوات التواصل، وتحقق تقدماً في الملفات الإنسانية، وهو مجال تستطيع الإمارات الإسهام فيه استناداً إلى علاقاتها القوية مع كلٍ من روسيا وأوكرانيا، ولكونها وسيطاً موثوقاً به بين الطرفين. ويبقى الاختبار الحاسم، خاصة بالنسبة لبريطانيا وألمانيا، هو تحويل الدعم العسكري والمالي إلى تسوية قابلة للاستمرار، يكون لأوكرانيا والأوروبيين دور فعلي، في صياغتها وتنفيذها.
