لم تخالف نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي أبسط التوقعات، بعدما أسفرت عن فوز كاسح للديمقراطيين وهزيمة تاريخية للجمهوريين، وكانت بمثابة استفتاء على سياسة الرئيس دونالد ترامب، الذي لم تترك له حقائق صناديق الاقتراع مجالاً للطعن أو ادعاء وجود تزوير، كما حدث في انتخابات سابقة.
بداية من الثالث من يناير/كانون الثاني المقبل، سيتسيد الديمقراطيون الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ. وحتى لا يأخذ التفاؤل بعض المتابعين بعيداً، فإن انقلاب الموازين الحزبية في المؤسسات التشريعية الأمريكية تقليد متعارف عليه في منتصف الولاية الرئاسية، إذ غالباً ما يسيطر الحزب المعارض على مجلس النواب خصوصاً، بينما يظل البيت الأبيض بيد زعيم الحزب الحاكم وهو اليوم ترامب وحزبه الجمهوري، لكن الجديد هذه المرة أن الانقسام التقليدي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، سيضع الإدارة الأمريكية أمام واقع سياسي معقد، سيخلط الأوراق الداخلية ويلقي بتداعيات كبيرة على الأوضاع العالمية والأزمات المشتعلة.
ورغم أن ترامب يحتفظ بصلاحياته التنفيذية كاملة في إدارة السياسة الخارجية وقرارات الحرب والسلم، إلا أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ ستشكل جداراً سميكاً أمام طموحاته التشريعية وميزانياته المقترحة، وتُفَعِّل آليات المراقبة والمحاسبة، مما سيحوّل ما تبقى من ولاية الرئيس الجمهوري إلى معركة استنزاف سياسي يومية، يحاول فيها البيت الأبيض الحكم عبر «المراسيم الرئاسية» للالتفاف على كونغرس معادٍ ينتظر انتخابات الرئاسة المقبلة بفارغ الصبر، ليعلن «عودة أمريكا»، كما قال زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز المرشح ليكون الرجل الثالث في النظام السياسي الأمريكي.
مثلما بدا أن الحزب الجمهوري قد حاد مع ترامب عن كثير من مبادئه التقليدية المحافظة، واتجه يميناً نحو الشعبوية، ابتعد الحزب الديمقراطي أيضاً عن وسطيته التقليدية ونهجه المؤسسي الصارم، متجهاً نحو اليسار التقدمي، كما لم يعد الحزب يمثل فقط تيار «الوسط» الذي يقوده الحرس القديم، بل تأثر بصعود الجناح التقدمي الذي يركز على قضايا العدالة الاجتماعية الجذرية ونبذ العنصرية، والتحول الكامل نحو الاقتصاد الأخضر، ومحاولة انتهاج سياسة خارجية أكثر انفتاحاً على الحلفاء التقليديين وأقل تورطاً مباشراً في الأزمات الكبرى مثل الصراع الأمريكي الإيراني أو الحرب الروسية الأوكرانية أو المنافسة الجيوسياسية مع الصين.
من مفاجآت الموجة الزرقاء، التي اكتسحت الكونغرس، أنها حملت أسماء وشخصيات شابة وتقدمية صنعت التاريخ بدخولها إلى قبة الكابيتول، لتكسر احتكار الحرس القديم وتفرض واقعاً ديموغرافياً وأيديولوجياً جديداً يتناغم مع التحولات العميقة في الشارع الأمريكي. وللمرة الأولى تضم هذه النخبة الديمقراطية وجوهاً من خلفيات عرقية واجتماعية متنوعة، وحضوراً لافتاً للمرأة والشباب، ما يعكس رغبة القواعد الديمقراطية في ضخ دماء جديدة قادرة على مواجهة الخطاب اليميني بجرأة أكبر في داخل الولايات المتحدة وخارجها.
قد يكون من السابق لأوانه الحكم على تداعيات هذه الانتخابات، لكن حقيقتها كانت أقرب إلى استفتاء شعبي ليس على سياسات ترامب فحسب، بل على مستقبل الدولة العظمى الأولى في العالم، ودورها المحتمل في نظام دولي جديد يتشكل بمثل هذا الحدث التاريخي، الذي ستتجاوز دلالاته إلى أبعد من الحدود الأمريكية.
