الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إنجاز صحي إماراتي يستحق الاستمرار

7 نوفمبر 2026 20:29 مساء | آخر تحديث: 7 نوفمبر 2026 20:35 مساء
دقائق القراءة - 4
شارك
share
إنجاز صحي إماراتي يستحق الاستمرار
icon الخلاصة icon
الإمارات توسّع التأمين الصحي إلزامياً والتحدي الحقيقي اليوم يكمن في صون هذا الإنجاز
في غضون جيل واحد، أرست الإمارات منظومة تأمين صحي تكاد تشمل الجميع، وأثبتت جدواها، غير أن صون هذه المنظومة في وجه التكاليف الطبية المتصاعدة مسؤولية تتقاسمها شركات التأمين وأصحاب العمل ومقدمو الرعاية الصحية، وتبلغ النتائج أفضل مستوياتها حين تخطط الأطراف جميعها معاً، وتنطلق من البيانات ذاتها.
التقدم الطبي المتواصل في الإمارات يرافقه تزايد في المطالبات الصحية بعد اتساع المظلة التأمينية بما ييسر الوصول إلى مقدمي الرعاية الصحية ويجعل كل الأطراف المعنية أكثر مسؤولية عن صون هذا الإنجاز.
ويقارن جورج شدياق، الرئيس التنفيذي لـ«ضمانة»، بين ما كان عليه الوضع قبل سنوات والآن، قائلاً تغيّر المشهد جذرياً، فمنذ يناير 2025، بات التأمين الصحي إلزامياً لموظفي القطاع الخاص والعمالة المساعدة في جميع إمارات الدولة، لتكتمل بذلك مسيرة استهلّتها أبوظبي قبل نحو عقدين، ولحقت بها دبي عام 2014. وغدا التأمين الصحي أكبر فروع التأمين في الدولة، إذ استحوذ على ما يقارب نصف إجمالي الأقساط المكتتبة العام الماضي، وفق بيانات مصرف الإمارات المركزي. وقلّة من الدول بلغت هذا المستوى في غضون جيل واحد.
التحدي الحقيقي اليوم يكمن في صون هذا الإنجاز، فالطب يتقدّم بوتيرة لم أعهدها طوال مسيرتي المهنية، والرعاية الأفضل تأتي بكلفة أعلى. وتتوقع شركة «آون» أن ترتفع التكاليف الطبية التي يتحملها أصحاب العمل في الشرق الأوسط وإفريقيا بنسبة 12.2% العام المقبل، وهي نسبة تتجاوز معدلات التضخم بفارق كبير، لكن ما يصبّ في صالحنا أن هذه المنظومة لا تزال فتيّة بما يكفي لنعيد تشكيلها. وفي تقديري، تقع هذه المسؤولية على عاتق ثلاثة أطراف: شركات التأمين، وأصحاب العمل، ومقدمي الرعاية الصحية.

شركات التأمين: البداية من عندنا


يقول شدياق: يمنحنا موقعنا كشركات تأمين صورة متكاملة لا تتاح للطبيب ولا لصاحب العمل كلٌّ بمفرده، فبيانات «سايكوهلث»، تكشف لنا أيّ الأمراض يستنزف الحصة الأكبر من الرعاية، وأين يصنع التدخل المبكر فارقاً حقيقياً، وأيّ العيادات تحقق أفضل النتائج. ومن واجبنا أن نترجم هذه المعرفة إلى قرارات تخدم الأطراف جميعها.
والأمر لا يحتمل التأجيل، فبحسب بيانات «سايكوهلث»،، ذراع التأمين الصحي لـ«ضمانة»، تتصدر ثلاث حالات قائمة مطالباتنا عاماً بعد عام: ارتفاع ضغط الدم، والسكري، وارتفاع الكوليسترول. وهي أمراض تتسلل بصمت، وتتراكم آثارها على مدى سنوات، وتقف خلف كثير من النوبات القلبية والسكتات الدماغية. وتشير «آون» إلى أن أمراض القلب والأوعية الدموية باتت المحرّك الأول للتكاليف الطبية التي تتحملها الشركات في الإمارات، غير أن اكتشافها مبكراً والسيطرة عليها جيداً كفيلان بإبقاء المريض بعيداً عن المستشفى. ومن هنا، ينبغي أن يكون الفحص الدوري والمتابعة المستمرة للمصابين بأمراض مزمنة في صميم أي برنامج للتأمين الصحي، لا مجرد ملحق به.
ويقع على عاتقنا كذلك سداد المطالبات بإنصاف وفي مواعيدها، وهو ما لم يُحسنه قطاعنا على الدوام. ومنحت قواعد المطالبات المعمول بها في دبي منذ نوفمبر 2025 شركاتِ التأمين مهلة 45 يوماً لتسوية المطالبة الأولى، وألزمتها بتعليل كل قرار تعليلاً واضحاً. وهي خطوة أرحّب بها؛ فحين تطمئن المستشفيات إلى أن مستحقاتها ستصلها كاملة وفي موعدها، ينتقل التركيز من الفواتير إلى المرضى.

أصحاب العمل: شراكة ممتدة لا عقود سنوية


يتحمّل أصحاب العمل الجانب الأكبر من كلفة التغطية في هذه السوق، وأكثرهم استفادة من ينظر إلى هذا الإنفاق بمنظور بعيد المدى، فالموظف المصاب بمرض مزمن هو الأكثر اعتماداً على تأمينه، والأشد تضرراً حين تتغير شركة التأمين كل عام، إذ يعني كل تغيير فتح ملفه من جديد، وعودته إلى دوامة الموافقات المسبقة والإجراءات الورقية. وفي المقابل، فإن الشراكة الطويلة، متى اقترنت بالشفافية في بيانات المطالبات، تمنح شركة التأمين مصلحة حقيقية في الحفاظ على صحة هؤلاء الموظفين، لأنها ستجني غداً ثمار ما تستثمره اليوم.
وأنجح البرامج أبسطها: طبيب أسرة، وفحوص وأدوية للأمراض المزمنة دون أي كلفة على الموظف، مقابل مساهمة محدودة منه في ما عدا ذلك. ولبيئة العمل دورها أيضاً؛ فأيام الفحص الطبي، والوجبات الصحية، وتشجيع النشاط البدني، وترسيخ ثقافة تدفع الموظفين إلى مراجعة الطبيب مبكراً، كلها في متناول أي صاحب عمل. وهو المبدأ ذاته الذي نطبّقه في ضمانة، حيث تحافظ الأندية الرياضية الداخلية على نشاط موظفينا، فيما تعزز جلسات التوعية الصحية الافتراضية صحتهم النفسية والبدنية.

المستشفيات: الدفع مقابل النتائج


ومقدمو الرعاية بدورهم يشهدون تحولاً، فمنذ عام 2020، تعتمد دبي في الدفع للمستشفيات عن رعاية المرضى المنوّمين نظام «مجموعات التشخيص ذات الصلة» (DRG)، الذي يحدد مبلغاً ثابتاً لكل فترة تنويم وفقاً لحالة المريض وعلاجه، بدلاً من فاتورة منفصلة لكل فحص أو خدمة. ثم جاءت قواعد المطالبات لعام 2025 لتمضي أبعد من ذلك، فحظرت الخصومات المرتبطة بحجم التعامل، وعمولات الإحالة، وأي ترتيب من شأنه التأثير في القرار الطبي. وهذا هو الاتجاه الصحيح؛ إذ يكافئ الكفاءة ويحمي استقلالية القرار الطبي.
أما الخطوة التالية، فهي أن ندفع مقابل القيمة، لا مقابل حجم الخدمات وحده، عبر قياس النتائج: معدلات التعافي، ونسب العودة إلى المستشفى، ومدى السيطرة على الأمراض المزمنة. ومقدمو الرعاية الذين يتشاركون هذه البيانات ويصممون مسارات العلاج بالتعاون مع شركات التأمين، هم من سيرسمون ملامح هذا النموذج مستقبلاً.
إنجاز صحي إماراتي يستحق الاستمرار

على طاولة واحدة


النموذج الأمثل، حسب شدياق، أبسط مما نتصور: صاحب عمل يبني علاقة طويلة الأمد مع شركة التأمين، ويمنح موظفيه الوقت لإجراء الفحوصات، وشركة تأمين توظّف بيانات المطالبات مجهولة الهوية لتحديد المؤمَّن عليهم الأكثر عرضة لأمراض القلب والأوعية الدموية، وتموّل متابعتهم؛ ومجموعة مستشفيات تدير مساراً علاجياً منظماً لارتفاع ضغط الدم والسكري والكوليسترول، وتقدّم تقاريرها بالنتائج السريرية لا بالفواتير وحدها. وتتفق الأطراف جميعها منذ اليوم الأول على تعريف النجاح: أمراض مزمنة تحت السيطرة، وحالات طوارئ أقل، وميزانية يمكن التنبؤ بها.
ولكل طرف دور لا يمكن لغيره أن يؤديه؛ فصاحب العمل لا يعالج، والمستشفى لا يتابع المريض بين زيارة وأخرى، وشركة التأمين يصعب عليها تبرير الاستثمار في الوقاية لمؤمَّن عليه قد يغادرها عند التجديد التالي. وهنا تحديداً تسدّ الاستمرارية ومؤشرات النتائج المشتركة هذه الفجوة، فالتشريعات قائمة، والبيانات متاحة، والشركاء حاضرون؛ وكل ما ينقصنا هو قرار التخطيط معاً.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة