الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حرب الشعراء

7 نوفمبر 2026 23:43 مساء | آخر تحديث: 7 نوفمبر 2026 23:44 مساء
دقائق القراءة - 2
شارك
share
حرب الشعراء
icon الخلاصة icon
ندوة بمعرض كتاب حول صراع قصيدة النثر والعمود؛ جدل الوزن والغموض والتجديد ينتهي بأن التعصب يطرد القارئ ولا منتصر
«زيد وعبيد» قارئان جيدان، أحدهما يجيد قراءة الشعر ولا يجيد صياغته، والآخر يحب اقتناء الكتاب ولا يحب قراءته، وهنا في المعرض اجتمعا بالشعراء والروائيين والنقاد، وتدافعا بين حشد الجمهور إلى ندوة عنوانها «حرب النثر والشعر».
هنا بين من يملك حق تسمية الشعر شعراً، جلسا بين شعراء القصيدة العمودية والتفعيلة في جانب، وفي الجانب الآخر كان الجلوس أنصار قصيدة النثر، وبين الفريقين جمهور ينتظر أن يعرف لماذا تحوّل الشعر إلى ساحة معركة؟! رفع أحد الحاضرين صوته: أين الوزن؟ وأين القافية؟ وكيف نسمي الكلام الذي لا يلتزم أوزان الخليل شعراً؟
ابتسم أحد شعراء النثر وقال: وهل كان «المتنبي» شاعراً لأننا منحناه شهادة ميلاد؟ وهل انتهت عظمة قصائده لأننا وضعناها في «بحور الخليل؟»، الشعر أكبر من القواعد، وأوسع من التصنيفات يا بني.
تدخل شاعر آخر قائلاً: نحن لا نحارب التجديد، ولكننا نرفض أن يتحول الغموض إلى فضيلة، وأن تصبح القصيدة لغزاً، لا يفهمها حتى قارؤها، لماذا تكتبون للناس نصوصاً لا يستطيعون فهمها أو حتى قراءتها؟
رد شاعر النثر بنبرة غاضبة: المشكلة ليست في الجمهور، بل فيمن يرفض الجديد قبل أن يقرأه، لقد عزلتم أنفسكم في الماضي، واعتبرتم كل خروج على المألوف اعتداءً على الشعر.
عندها نطق «زيد وعبيد» معاً محاولين تهدئة النفوس: نحن لسنا أمام اختلاف عابر في الأذواق، بل أمام خصومة ثقافية تشبه «الحرب الأهلية»، أن ترفض شاعراً قبل أن تقرأه، وأن تحكم على قصيدته قبل أن تسمعها، فهذا ليس نقداً، بل إقصاء، وإذا ظللنا نتعامل مع بعضنا هكذا بعقلية الأحزاب المتحاربة فلن ننتج ثقافة حقيقية.
ساد المعرض الصمت لحظات، ثم عاد النقاش إلى معركة هي الأولى من نوعها على مساحة مختلفة للتجريب والاختلاف، وبعيداً عن أحكام الماضي وسلطته. وقف أحد المشاركين متسائلاً: وهل يكفي أن نهدم القديم حتى نبني أدباً جديداً؟
أجابه شاب عربي: ليس التجديد أن نقطع جذورنا، ولا الحداثة أن نعلن الحرب على تاريخنا، الكتابة الحقيقية لا تعيش خارج الإنسان، ولا تستطيع أن تنكر ذاكرته وتجربته وحياته.
وفي زاوية أخرى من المعرض، كان روائي يتأمل المشهد، ثم قال: ما أغرب أن يتحول الأدب إلى خصومة بين أصحابه! نحن نكتب لنقترب من الإنسان، فإذا بنا نبتعد عنه. نبحث عن قارئ، فإذا بنا نغلق الأبواب في وجهه. ونريد أن نصنع ثقافة، فإذا بنا ننشغل بمحاكمة بعضنا بعضاً.
اقترب منه شاب يحمل ديواناً، وسأله: إذن، من المنتصر اليوم في هذه الحرب؟. نظر الروائي إلى الديوان، ثم إلى الجمهور المتفرق، وقال: لا أحد ينتصر عندما يخسر الشعر قارئه، ولا أحد ينتصر عندما يصبح النثر سجناً للغموض، ولا ثقافة تزدهر عندما يكره أصحابها بعضهم بعضاً.
ثم أضاف وهو يغادر القاعة: دعوا الشعر شعراً، والنثر نثراً، ودعوا التجربة تثبت قيمتها، فليس الجمهور عدواً للإبداع، وليس المبدع عدواً للجمهور، وإنما العدو الحقيقي هو التعصب الذي يمنعنا من أن نقرأ بعضنا بعضاً.
وفي النهاية، أُغلقت أبواب الندوة، وبقيت الكتب معروضة للبيع على الرفوف.
لكن سؤالاً سيظل معلقاً في فضاء جميع معارض الكتب: «إذا كان الشعراء قد أعلنوا الحرب باسم الشعر، فمن سيعيد السلام إلى قلب القارئ؟».

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة