عادة ما يُتهم «نظام الانتخابات» بأنه «آلية غير ديمقراطية»، محصلته «ديمقراطية مشوهة» أو «ديمقراطية مزيفة»، أسباب كثيرة، أكدتها التجارب الانتخابية في معظم «الدول الديمقراطية» من أبرزها أن هذه الانتخابات لا تأتي عادة بالأكثر كفاءة أو الأكثر إخلاصاً، ولكن تأتي «بالأكثر إنفاقاً للأموال»، وأنها تنحرف بالمعنى الأساسي للفكرة الديمقراطية وهي «حكم الشعب». فالشعب، وفق هذه القاعدة، لا يمارس حقه في الحكم وفي السلطة إلا مرة واحدة، من الناحية الفعلية عند كل دورة انتخابية، عندما توكل إليه مهمة اختيار المرشحين نيابة عنه في البرلمان، لكنه لا يمتلك أي سلطة في متابعة ممارسة هذا الحق طوال أربع أو خمس سنوات عند كل تجديد للبرلمان وعند كل دورة انتخابية. رغم ذلك فإن تجربة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي يوم الثلاثاء الفائت تقدم لنا تجربة فريدة لقصاص الشعب من نوابه، بل ومن الرئيس الأمريكي نفسه.
فتصويت معظم الأمريكيين في هذه الانتخابات لم يكن مجرد تدقيق في اختيار النواب وأعضاء مجلس الشيوخ الجدد، والقصاص من كل نائب أو سيناتور عجز عن الوفاء بأمانة تعهداته لناخبيه على مدى الدورة الانتخابية السابقة، بل كان هذا التصويت محوره القصاص من الرئيس الأمريكي، خصوصاً بعد أن تورط بدعوة الناخبين إلى صناديق الاقتراع والإدلاء بأصواتهم «وكأن اسمه موجود على بطاقات الاقتراع». لذلك جاء تصويت الناخبين تعبيراً عن معارضتهم للرئيس وسياساته داخلياً وخارجياً.
وجاءت نتائج الانتخابات صاعقة للرئيس الأمريكي وإدارته وحزبه، فقد استطاع الناخب الأمريكي، في الأساس، تفجير موجة زرقاء، أو بالأحرى «تسونامي» أزرق، من شأنه ليس فقط تمكين الحزب الديمقراطي من السيطرة على الكونغرس بمجلسيه، ومحاسبة الرئيس وفرض خيار تغيير السياسات، بل وأيضاً «فيتو» قوي أمام طموحات الحزب الجمهوري لكسب الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028. حيث استطاع الحزب الديمقراطي إسقاط معاقل جمهورية تاريخية من تكساس إلى كنساس وأوهايو، إلى جانب كسب «الولايات المتأرجحة»، وفي مقدمتها بالطبع ولاية «ميتشغان» التي سطرت ملحمة هائلة كان بطلها المرشح عبدالرحمن محمد السيد (عبدول)، الذي لم يفز فقط، ولكنه استطاع أن يفرض شعاراته الانتخابية كسياسات يسعى الحزب الديمقراطي للالتزام بها، ضمن موجة تغيير هائلة في سياسات هذا الحزب أبطالها هم الفائزون من مرشحي التيار التقدمي بالحزب، سواء على مستوى السياسات الداخلية، أو على مستوى السياسات الخارجية، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل، وإنهاء الحرب «العبثية» مع إيران، التي اعترف الرئيس دونالد ترامب بأنها السبب الرئيسي لخسارة الحزب الجمهوري للانتخابات.
فقد حصد الديمقراطيون 255 مقعداً في مجلس النواب مقابل 180 مقعداً للجمهوريين، وكذلك بالنسبة لمجلس الشيوخ الذي حصدوا فيه 54 مقعداً من أصل 100 مقعد إلى جانب حكام الولايات.
الرئيس الأمريكي هو أكثر من يدرك معنى هذه الخسارة، رغم أنه يحاول النأي بنفسه كسبب أساسي لها، ويُرجع الفشل لتقصير المرشحين أولاً، وللحرب على إيران ثانياً، التي مازال يراها «حرباً ضرورية». ترامب الذي يخشى خطر «المحاسبة» واحتمالات «العزل» أسرع بإبداء استعداده للتعاون مع الأغلبية الديمقراطية الجديدة، لكنه لم يتوقف عن التهديد باستخدام «الفيتو الرئاسي» لمواجهة أي ضغوط من جانب الديمقراطيين.
الإدراك الحقيقي لمعنى «الهزيمة» جاء من جانب نائب الرئيس جي دي فانس عقب تأكد معالمها. فقد دعا إلى إجراءات تتضمن إنهاء الحرب مع إيران، والتركيز على غلاء المعيشة والتضخم، وتبني سياسات «أمريكا أولاً» (ماغا)، وإعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل.
ستيف بانون، أبرز مهندسي حركة «فلنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» وكبير المستشارين الاستراتيجيين للرئيس ترامب في ولايته الأولى، كان له رأي آخر، إذ تنبأ بتفجر «حرب أهلية» داخل الحزب الجمهوري، حيث قال في حديث مع صحيفة «فايننشيال تايمز» مؤخراً، إن صراعاً ضخماً سيدور حول هوية الحزب ومستقبله بين تيار «أمريكا أولاً» (ماغا) وقواعده الصاعدة من جهة، وبين القيادات التقليدية وطبقة المانحين من جهة أخرى، الذين يرون ترامب «حالة عابرة».
نبوءة بانون قد تحدث، وعندها سيكون الناخب الأمريكي قد استطاع بكفاءة ممارسة حقه الديمقراطي في «محاسبة الرئيس».
