الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ذاكرة لا تخصنا

6 نوفمبر 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 6 نوفمبر 2026 00:09 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في الماضي كانت معظم أنشطتنا اليومية تعتمد على الذاكرة، حتى أن البعض عرّف الإنسان على أساس أنه الكائن الذي يتميز بهبة الذاكرة، والتي دخلت كمفردة في مختلف الحقول الثقافية، فميّز بعضهم بين الذاكرة والتاريخ، وربط البعض الآخر بين الذاكرة والوعي الفردي والجمعي، بل وظفها فريق ثالث في قراءات حول اللاوعي. في هذا الماضي كنا ننقش في ذاكرتنا كل شيء، نملؤها بالكثير من التفاصيل، نستخرج منها كل ما يثير الحنين في لحظات البوح عن مواقف لا تنسى في الماضي، نستلهمها في الآداب والفنون، ونتحدث باستفاضة عن ذاكرة الشعوب غير المدونة والتي لا تنسى مهما مر الزمن، صاحبتنا الذاكرة دوماً وفي جميع مراحل حياتنا، وكنا نضيف إليها الجديد ونقوم بتنشيطها عبر وسائل وآليات عدة.
كانت الذاكرة في استعمالاتها اليومية والمباشرة أشبه بالمستودع الذي نلجأ إليه بصورة دورية، هنا أرقام عديدة نحفظها لأننا بحاجة دائمة إليها، وفي هذا الجانب كنا نوظفها في العمليات الحسابية، كان معظم البشر يستخدم الذاكرة في عمليات حسابية بسيطة، وقلة منهم تستطيع القيام بعمليات معقدة، كنا نلجأ إليها عندما يقابلنا موقف يتطلب بيت شعر أو مقطوعة أدبية، وكانت تسير معنا ونحن نتجول في الشوارع والأمكنة، ومن خلالها أسسنا لعلاقة حميمية مع العالم والأشياء من حولنا.
الآن اختفى كل هذا ودخلت ذاكرة معظمنا في سبات طويل، أو كسل لم نعرفه من قبل، وفي الحقيقة ليست التكنولوجيا فائقة الحداثة هي السبب الوحيد وراء ذلك، ولكن أيضاً نظم التعليم التي انتشرت خلال العقود السابقة، فلأسباب عديدة، رأى تربويون ومثقفون أن التعليم القائم على الحفظ يؤدي إلى انهيار الحضارة ويناقض الفهم والقدرة على التفكير بصورة أساسية، فأصبحت معظم المناهج ونظم التعليم لا تعتمد على الحفظ، وكان هذا خطأ فادحاً، فمقارنة بين نوعية المتعلمين من أزمنة الحفظ ومتعلمين آخرين من الذين اعتمدوا على «الفهم»، لن تكون في صالح الفئة الأخيرة، ولا يزال معظم التربويين يدافعون عن النظام الجديد مع أن النتائج الواقعية على الأرض أثبتت خطأ وجهة نظرهم.
كان التعليم القائم على «الفهم»، بمثابة مقدمات تمهيدية لغزو الذاكرة، أما التكنولوجيا الحديثة فأشبه باستعمارها، أصبح كل ما كنا نبذل فيه الجهد والعمل من أجل تخزينه والاحتفاظ به داخل أرشيفنا الإنساني، يتم عبر «كبسة زر»، و لم يعد أحد اليوم يقوم بعمليات حسابية، أو يعرف ملامح طريق أو يحفظ إحدى القصائد الشعرية، بل بتنا نشك في ذاكرتنا، فإذا كنت تحفظ قصيدة، فما أسرع أن تذهب إلى «غوغل» لتتأكد من صحة ما تحفظه، بدأنا بالشك في ذاكرتنا وانتهينا بطوفان من الصور المتلاحقة التي لا نهاية لها والتي دمرت الذاكرة نهائياً.
جاءت مرحلة الذكاء الاصطناعي بالذاكرة البديلة، وأصبح البعض يعتمد عليه في تنسيق شؤونه اليومية، بتنا أعجز من أن نستخدم ذاكرتنا في أبسط الأشياء وأصبحنا أسرى عالم مصطنع يحتوينا من دون أخص ما يميزنا كبشر..الذاكرة.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة