الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الإنسان التائه في الفضاء الرقمي

8 نوفمبر 2026 00:14 صباحًا | آخر تحديث: 8 نوفمبر 2026 00:15 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
إذا ما تساءلنا: لماذا بات البشر يستسلمون باطراد لسطوة التواصل في المجتمع الافتراضي/ الوهمي، ويهربون باستمرار من العالم الواقعي/ الحقيقي؟ فربما أمكننا الحديث عن ميزتين أساسيتين لنمط التواصل الافتراضي.
الميزة الأولى هي السهولة، فالتواصل في العالم الافتراضي يبدو ميسوراً، يقوم به الإنسان وهو في بيته أو حتى في حجرة نومه، دون أن يتكلف مجهوداً بدنياً أو عبئاً مالياً للانتقال إلى مكان يتلاقى فيه مع من يريد، أو ينفق وقتاً طويلاً في شوارع مزدحمة بمدن كثيفة السكان. بل دون أن يتحمل الشخص عناء تغيير ملابسه، وجميعها أمور تعوق التلاقي الواقعي بكل ما يرتبط به من طقوس، خصوصاً مع تراجع روح البساطة القديمة وشيوع مظاهر مستجدة باتت تصاحب الزيارات الاجتماعية كتبادل الهدايا المكلفة. وتضاف إلى ذلك البعد المادي أبعاد معنوية أخرى، أهمها المهارات المطلوبة للتواصل المباشر، فلكل أنواع اللقاءات، سواء بين الأصدقاء أو في إطار العائلة مهارات معينة كاللباقة والكياسة وحسن التصرف، الأمر الذي يفرز ضغوطاً نفسية على الشخص الذي يفتقدها.
وفضلاً عن ذلك، ثمة سهولة التحكم في المسار الافتراضي للعلاقات خصوصاً العاطفية، أو علاقة الصداقة، بمعنى القدرة على الانخلاع منهما دون تكلفة كبيرة، إذ لا يحتاج الأمر إلى أكثر من عمل بلوك (حظر)، يشبه إصدار حكم قضائي بات على العلاقة مع الصديق، حال اتسعت هوة التناقض معهما.
أما الميزة الثانية فهي «السرية» التي تجعل الشخص أقرب إلى شبح غير مرئي. فالفاعل الاتصالي على الفيسبوك، مثلاً، ليس إلا مجموعة بيانات يمكن تزييفها، وبضعة صور يمكن التلاعب بها، إذ يمكن وضع صورة طبيعية أو لفرد آخر على حساب أي شخص فيصبح غير مرئي، ويزداد شعوره بالأمان وقدرته على البوح، وحريته في التعبير عن شتى نزعاته النفسية. لكن هاتين الميزتين تنطويان، في المقابل، على مخاطر عدة أهمها الاعتياد الذي يقف عائقاً أمام رغبة الفاعل التواصلي في العودة إلى العالم الواقعي، لأنه سيجد حينذاك كل تفصيلة قد باتت صعبة ومرهقة، على نحو يدفعه للهروب من جديد إلى العالم الافتراضي، وكأنه مدمن يريد العودة إلى الحياة الطبيعية، فما إن يصطدم بمشكلاتها المستجدة حتى يهرب من مواجهتها، كونها تتطلب شحذ الإرادة، والصبر على التفاصيل، وانتظار الحلول التي قد لا تكون شافية لمشكلات يمكن للشخص الواقعي/ الاجتماعي التعايش معها، فيما يستسهل الفرد الاتصالي/ الافتراضي الهروب منها.
والمؤكد أن يزداد فشله بمرور الوقت، ذلك أن الموصلات العصبية للدماغ البشري تعمل بطاقات مختلفة، وتعتاد سلوكيات معينة، وعندما تعتاد السهولة تقوم بتقنين جهدها المبذول هبوطاً إلى أدنى مستوى من الطاقة والقدرة والنشاط، وبمرور الوقت تصبح عاجزة عن رفع ذلك المستوى. هنا يصير الفرد الاتصالي شبيهاً بالمدمن الذي تُحلِّق به المادة المخدرة في عوالم سحرية، يتوهم معها حل التناقضات واختفاء المشكلات، فيشعر بأن الحياة تزهو ولو لساعات، فما إن يزُول أثر المخدر عاد للارتطام بالواقع ومشكلاته، محاولاً الهروب من قيوده بتعاطي جرعة جديدة أكبر.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة