الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
آخر الكلام

قوانين غير مكتوبة

8 نوفمبر 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 8 نوفمبر 2026 00:06 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
قبل كل عيد، كنت أنا وقريبتي نستعد لامتحان لا تعقده مدرسة، ولا تُرصد له درجات. كنا نكتب على ورقة صغيرة الردود المناسبة للتهاني والتحيات، ونراجعها بجدية الأطفال وخوفهم من الخطأ. ماذا نقول إذا قيل لنا «عيدكم مبارك»؟ وكيف نجيب حين يسألنا الكبار عن أحوالنا؟ لم يطلب منا أحد حفظ تلك الإجابات، لكننا كنا ندرك، بفطرتنا الصغيرة، أن للمجلس قوانين لا تُكتب، وأن الخطأ فيها لا يمر دائماً دون ملاحظة.
كبرنا لنكتشف أن تلك الورقة لم تكن سوى صفحة من دستور اجتماعي توارثته الأجيال، دون أن يُدوَّن في كتاب أو يُعلّق على جدار.
حين يدخل الكبير نقف احتراماً، وحين تُقدَّم القهوة يبدأ الصب بالأكبر، ونهزّ الفنجان إيذاناً بالاكتفاء، فيفهم الساقي دون سؤال. وإذا أرسل الجار طبقاً، فلا يعود إليه فارغاً. تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها كانت لغة مجتمع كامل، يفهم أفراده بعضهم بعضاً دون حاجة إلى شرح.
ذلك هو «السنع»، ولم يكن له منهج مدرسي، لأن الحياة نفسها كانت مدرسته. يجلس الطفل في طرف المجلس، يراقب أباه وهو يستقبل الضيف، وجده وهو يُنصت للحديث، وأمه وهي تُكرم الجارة، فيتعلّم بالمشاهدة ما قد تعجز عنه عشرات المواعظ، حتى تصبح تلك القيم جزءاً من طبعه، لا مجرد قواعد يحفظها.
أما اليوم، فقد اتسعت المسافة بين عالم الكبار وعالم الصغار. صارت للأطفال مجالسهم الخاصة خلف الشاشات، وقلّت مشاركتهم في المجالس العائلية، فغابت عن بعضهم فرص التعلّم العفوي. وهنا يبرز السؤال: كيف نورّث أبناءنا ما لم نتعلّمه نحن إلا بالمعايشة؟
غير أن الوفاء للموروث لا يعني التسليم بكل ما ورثناه، فالقوانين نفسها التي علّمتنا الاحترام والحياء، علّمت بعضنا أيضاً أن يخشى الاعتراض، وجعلت كلمة «عيب» حاجزاً أمام السؤال والتعبير.
ولعل مسؤوليتنا اليوم ليست في نقل تلك القوانين كما هي، بل في التمييز بين ما يصون الإنسان وما يقيّده: أن نورّث أبناءنا الكرم دون تكلّف، والاحترام دون خضوع، والحياء دون خوف.
ما زلت أتذكر ورقتنا الصغيرة، وأدرك الآن أننا لم نكن نحفظ عبارات التهنئة فحسب، بل كنا نتعلّم كيف ننتمي، فالانتماء لا يُلقَّن، بل يُعاش حتى يصير طبعاً.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة