يتميز قلم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بقدرته الفذة على تقريب التاريخ من القارئ، مع المحافظة على صون أمانة المعرفة ودقة الرواية، وهو أمر ليس بغريب على سموه وهو قارئ التاريخ الذي يقدر قيمة التوثيق المنهجي السليم لكل حدث ورواية، لذا نجده يولي تحقيق الأخبار ومقابلة الشواهد عناية تليق بمسؤولية الكتابة.
بين البحث المنهجي وسلاسة السرد، اكتسبت مؤلفات صاحب السمو حاكم الشارقة خصوصية عرفها كل قارئ متابع لنتاجه الفكري الثري، لتمنح مؤلفاته القارئ معرفة موثوقة، وتعيد إليه الإحساس بأن التاريخ حياة عاشها بشر، كانت لهم آمالهم ومخاوفهم، كما كانت لهم أخطاؤهم التي اختبرت قدرتهم على النهوض بعد العثرات.
ذاكرة
صدر عن منشورات القاسمي العمل الروائي التاريخي الجديد لصاحب السمو حاكم الشارقة بعنوان «الجلندي خالد بن سلطان القاسمي»، المكون من خمسة فصول وجاءت الرواية في 125صفحة، ويفتح فيها سموه أبواب التاريخ على ذاكرة القواسم العريقة، مستعيداً سيرة «الجلندي» التي تتداخل في حكايته الشجاعة بالحب، والاندفاع بالندم، كما تختلط فيها وقائع وأحداث تاريخية مشحونة بالمغامرة تارة وبالبحث عن شاطئ الأمان تارة أخرى، ويضع سموه في مقدمة العمل تأكيداً لطبيعته التاريخية الموثقة، لافتاً إلى أن غرابة الحوادث التي مر بها بطلها، تبدو للقارئ قريبة من الخيال، ولعل هذا ما منح هذه الرواية جاذبية يدركها القارئ منذ الصفحات الأولى، فالواقع نفسه يحمل من المفاجآت والتحولات ما يكفي ليشد القارئ، خصوصاً مع وجود كاتب يحسن ترتيب الاحداث والكشف عن دلالاتها.
تأتي «الجلندي» في سياق تجربة يدرك فيها سموه اختلاف طبيعة القراء، وتغيير أنماط السرد والتلقي، وكما هو معروف فإن قراءة التاريخ تحتاج من القارئ إلى وقت وجهد، وتتطلب المؤلفات التاريخية الواسعة صبراً على التفاصيل والأنساب والتحولات السياسية والاجتماعية، ومن هنا وظف سموه قوالب الكتابة الروائية والمسرحية في سرد التاريخ، لما لهذه الاشكال الادبية من قدرة مميزة في الاقتراب من الإنسان وهواجسه وتساؤلاته، وهنا تتجلى قيمة المزاوجة لدى سموه بين المؤلفات التاريخية الكبيرة والأعمال السردية المكثفة، مقدما للقارئ إلى جانب التحقيق الرصين، وجبات معرفية غنية، يجد فيها القارئ متعة الحكاية وعمق التجربة.
أسلوب سردي
هذه الرؤية الثقافية الثاقبة تحسب لصاحب السمو حاكم الشارقة في خلق صلة بين مؤلفاته وبين الأجيال الجديدة خصوصاً، فالإيقاع السريع المتدفق ووضوح اللغة، والمشاهد والأحداث المتتابعة، تمنح القارئ أسبابا لمواصلة القراءة، وتوقظ فضوله إلى معرفة خبايا الصفحات وايضا البيئة التي خرجت منها الحكاية.
في «الجلندي» تتجلى هذه الرؤية، فالقارئ لا يشعر بأنه مطالب بحفظ سلسلة من الوقائع، فهو من خلال صفحات العمل يبقى مشدودا في متابعة سيرة رجل تعصف به الاحداث، يتأمل قراراته، وينتظر ما ستؤول إليه رحلته، ومن خلال هذه الأسلوب السردي المشوق، تتسع معرفته بتاريخ المنطقة ومجتمعها، وتتكون لديه رغبة في العودة إلى مصادر التاريخ الأرحب.
اعتزاز
تبدأ سيرة خالد بن سلطان القاسمي من بيت تتصل جذوره بضفتي الخليج، فوالدته خديجة بنت حسين الجار الله، تاجر اللؤلؤ الثري في البحرين، وكانت ابنته الوحيدة، تقدم إليها الخطاب، فيما كان والدها ينتظر لها الزوج الكفء، حتى تهيأت أسباب زواجها من الشيخ سلطان بن صقر القاسمي خلال وجوده في البحرين، وأنجبت له الشيخ خالد، ويذكر سموه سبب الاسم الذي يعد جديداً على سلالة القواسم بأن والدته اختارته اعتزازاً بجدها خالد بن الوليد.
وفي التفاصيل الأولى لهذا العمل تتجاور الأبعاد التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، فتظهر حركة الناس بين البحرين ورأس الخيمة والشارقة كجزء من نسيج حياة تربط شواطئ الخليج بعضها ببعض، على الرغم مما يفرضه السفر من مشقة وغياب، وتبدأ قصة بطل الرواية حين ذهبت والدته خديجة إلى البحرين لزيارة والدها المريض، وبقيت إلى جانبه الى حين وفاته، ثم انشغالها بعد ذلك في شؤونها الخاصة وفي ميراث والدها، وبسبب غيابها الطويل طلقها والده الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، لتتولى زوجة أبيه مهرة بنت إبراهيم المرزوقي تربيته، وأصبح لمهرة حضور مؤثر في سيرته وفي الاسم الذي سيحمله إلى الناس، فقد أطلقت عليه لقب «الجلندي»، مستحضرة الجلندي الأزدي، ملك عمان وشجاعته، ومعتزة بأصلها العماني، ليشيع هذا اللقب بين أبناء الشارقة حتى كاد يطغى على اسمه.
عاطفة عميقة
تمضي الرواية لتضع الجلندي أمام اختبارات تكشف رمزية ودلالة هذا اللقب، فالشجاعة التي تبدو في الصغر معنى محموداً على إطلاقه، تحتاج في الحياة إلى حكمة تضبطها، وإلى قدرة على التمييز بين الإقدام الذي يصون النفس والكرامة، والاندفاع الذي يفتح باب الندم، فيبدأ تكون شخصية الجلندي أمام القارئ من مواقفه المتعاقبة، والتي حملت جوانب مختلفة فيها من الاعتزاز بالنفس، والصلابة في مواجهة الخطر، وفيها أيضا عاطفة عميقة يخفيها بمظهر متماسك، وسرعة غضب تكون لها عواقب قاسية، ولعل هذه الصور المتعددة للشيخ خالد منحت حضورها الروائي قوة إقناع لأنها تصوير واقعي دقيق لصراعات النفس البشرية، إذ نراه يتألم ويخطئ، ثم يحاول إصلاح ما يستطيع إصلاحه.
يكشف السرد جانباً آخر من شخصية الجلندي، هو جانب العاشق الذي ظل وفياً لحبه الأول، آمنة بنت الشيخ عبد الله بن محسن آل الزين، التي أحبها منذ طفولته، وتعلق بها حتى ظن أنها ستكون رفيقة حياته، غير أن زواجها من الشيخ سعيد بن قضيب القاسمي، حاكم لنجة، يبدد حلمه ويترك في نفسه جرحاً عميقاً.
وحين تتجدد آماله بالزواج منها بعد وفاة زوجها، تقع حادثة الخنجر الذي اشتراه من شقيقها زين، بعد أن أوهمه بأن مقبضه من الفضة الخالصة. وحين يكتشف الخديعة، يعود مطالباً باسترداد ماله، لكن الخلاف يتصاعد وينتهي بمقتل زين، ليجد خالد نفسه أمام تبعات الغضب والانفعال، بعيداً عن صورته المعهودة في الشجاعة والاعتداد بالنفس. وبعد السجن وملاحقة أهل الدم، تأتي حادثة إنقاذ تاجر لؤلؤ فارسي من الغرق، لتكشف وجهاً إنسانياً جديداً في شخصيته، إذ يندفع إلى البحر لإنقاذه، في مشهد سردي مشحون بالتوتر، يحمل مفارقة بين رجل خاطر بحياته لإنقاذ غريق، ورجل عجز قبل أيام عن ضبط غضبه فقتل إنساناً.
ومن هذه المفارقة تتشكل إحدى أبرز الدلالات الإنسانية في الرواية، وهي قدرة الإنسان على مراجعة أخطائه وتحويل الندم إلى فعل نافع. كما تبرز قيم المروءة وإغاثة الملهوف، والحكم على الناس من خلال أفعالهم لا انفعالاتهم العابرة. وتتحول علاقة الجلندي بالتاجر الفارسي، الذي أنقذه من الغرق، إلى صداقة وشراكة في تجارة اللؤلؤ، تفتح أمام القارئ نافذة على طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في تلك المرحلة. ومن خلال رحلة البحث عن اللؤلؤ، يرصد السرد مشقة العمل وما يتطلبه من صبر واحتمال ومغامرة، ويكشف الوجه الآخر لهذه التجارة التي تبدو بريقاً في الأسواق، بينما تقف خلفها أجساد أنهكها الغوص، ورجال يواجهون قسوة البحر وتقلبات الرزق.
تبلغ الحكاية ذروتها، حين تتحطم سفينة مطاردي خالد، ويجد والد زين وأخوه غارقين في البحر، فيعرض عليهم دية زين والزواج من آمنة وبعد الموافقة يبادر الى انقاذهما، وتنتهي الخصومة، وبعدها يرتب الشيخ خالد زواجه أخيراً من محبوبته آمنة، لكن الزفاف يؤجل إلى حين عودة آمنة للشارقة، غير أن الخبر يصل للجلندي بوفاة آمنة، بعدما تفشى وباء الكوليرا في الشارقة ورأس الخيمة وأم القيوين.
عند وفاة آمنة، تتجمع دلالات السيرة في وجدان القارئ، لقد تعلم الجلندي من خطئه، وصبر على المشقة، وأنقذ الأرواح، وصالح خصومه، ثم واجه فقداً لا يملك دفعه، ومن هنا تأتي العبرة المرهفة في العمل فالأنسان يسعى ويجتهد في مجاهدة نفسه وحملها على حسن الاختيار ولكن يبقى تدبير الله ومشيئته ماضية في الناس الى يوم القيامة.
زمن كامل
بسرد ماتع يمنحنا صاحب السمو حاكم الشارقة قراءة للتاريخ تستقر في القلب والذاكرة، نتتبع الجلندي فنرى طباعه تتكشف تحت وطأة التجربة، ونرافقه فنرى الموانئ والأسواق والبيوت والبحر، ونغلق الصفحات وقد اقتربنا من زمن كامل، ومن حياة رجل حمل شجاعته وحبه وأخطاءه وأمله.
بموازاة البحر، ترسم الرواية خريطة الشارقة في ذهن قارئها، تظهر المدينة من خلال حركة أهلها وحركة القوافل التي تدخل إليها محملة بالمنتجات الزراعية، وأخرى تحمل الحطب والفحم والحشائش، كما تتحدد معالم مكانية للمدينة، مثل الحصن الكبير، والمسجد، والأسواق القريبة، والخور الذي ترسو فيه المراكب، وتلك قيمة تتجاوز خلفية الحكاية، فالمكان يساعد على فهم الحدث، إذ ينجح صاحب السمو حاكم الشارقة في إحياء المدينة داخل السرد، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة لتصور شكلها القديم.