الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الموجة الزرقاء.. نصر يحتاج إلى حسم

9 نوفمبر 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 9 نوفمبر 2026 00:10 صباحًا
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، خرجت من صناديق الاقتراع الأمريكية كلمة لا تحتاج إلى خطيب كي يشرحها: «لا». حرفان فقط، لكن صداهما بلغ قاعات الكونغرس وأربك ممرات البيت الأبيض. فالناخب لا يقول دائماً «نعم» لبرنامج؛ بل يقول «لا» لساكن البيت الأبيض، ثم يستأجر المعارضة لتبلّغ الرفض. غير أن المستأجر لا يرث البيت، ولا يصبح مالكه لمجرد أن صاحبه فقد رضا الناس.
فقد قال 43% إنهم صوّتوا، بين أسباب أخرى، للتعبير عن معارضتهم دونالد ترامب، ورفض نحو 6 من كل 10 أداءه؛ والغلاء وحرب إيران بين أسباب السخط؛ فقد وصلت فاتورة الخارج إلى موائد الداخل. لكن 54% ينظرون سلباً إلى الحزب الديمقراطي أيضاً. إنها موجة زرقاء أعادت إليه مجلسي الكونغرس، ومنحته 54 مقعداً مؤكداً على الأقل في الشيوخ، وفتحت له قلاعاً جمهورية من تكساس إلى كنساس، من دون أن تمنحه شيكاً مفتوحاً: الناخب عاقب الجمهوريين، ولم يبرّئ الديمقراطيين من أخطائهم.
يدرك حكيم جيفريز أن انتصاراً بهذا الحجم قد ينقلب عبئاً إن أُهدرت ساعاته الأولى. لذلك أعدّ برنامجاً للمئة يوم، يبدأ العمل عليه في المئة ساعة الأولى: ترميم التأمين الصحي، والتراجع عن تخفيضات «ميدكيد»، ومراجعة الرسوم الجمركية، والسعي إلى وقف الحرب على إيران. وشكّل خمس مجموعات للسكن والصحة والغذاء والطاقة والرعاية، يقود كلاً منها تقدمي ووسطي؛ ليردم شقوق الحزب قبل أن تصير شروخاً في الحكم.
والتاريخ هنا ليس زينةً للاستشهاد، بل مرآة للاختبار. ففي 2006، رفعت نانسي بيلوسي شعار «المئة ساعة» لمواجهة جورج بوش الابن، عبر الحد الأدنى للأجور والتعليم ونفوذ جماعات الضغط. لم يكن بوش ليّن العريكة؛ استخدم الفيتو ضد قوانين مهمة، ولا سيما ما مسّ حرب العراق، لكنه فاوض الديمقراطيين وقَبِل تسويات، منها رفع الحد الأدنى للأجور. اختلفا دون أن تُوصَد أبواب الاتفاق. أما جيفريز فيواجه ترامب الذي اختار لنفسه لقب «السيد فيتو»، وتوعّد بإعادة القوانين إلى الكونغرس كما أتته. بيلوسي أرادت إثبات قدرة المعارضة على التشريع؛ وجيفريز مطالب بإثبات جدارتها بالحكم حتى حين يُغلق الرئيس باب التشريع. فالفيتو يستطيع إجهاض قانون، لكنه لا يستطيع منع الكونغرس من مساءلة السلطة وفضح كلفة قراراتها.
لكن الأبواب ليست كلها في يد الرئيس، ففي الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأول، ينتهي التمويل المؤقت للحكومة، ويطل احتمال الإغلاق الحكومي. صحيح أن الكونغرس المنتخب لن يتسلم سلطته إلا في يناير/كانون الثاني، لكن الديمقراطيين يملكون في مجلس الشيوخ؛ حيث تحتاج معظم تشريعات التمويل إلى توافق يتجاوز الأكثرية البسيطة، ورقة تفاوض مبكرة. يستطيعون المطالبة بضمانات للصحة والإنفاق والرقابة مقابل تمرير التمويل؛ ويستطيع ترامب اتهامهم بالتعطيل، محاولاً تحميلهم فاتورة الإغلاق. هنا لا ينتصر من يُطيل الإغلاق، بل من يُقنع الناس أنه منعه من دون أن يبيع مصالحهم. إنها امتحان للدبلوماسية والمرونة، لا للمزايدة؛ أول بروفة حقيقية للصراع بين «السيد فيتو» وأغلبية تنتظر دورها.
أما المعركة الأصعب، فتدور داخل المعسكر الأزرق. بيرني ساندرز، الذي عجز مرتين عن نيل الترشيح الرئاسي، لم يعجز عن توريث أفكاره: التأمين للجميع، وكبح المال السياسي، وإعادة الاقتصاد إلى جيوب العاملين. صعد زهران ممداني إلى بلدية نيويورك، ووصل عبدول السيد، ابن مهاجرين مصريين، إلى الشيوخ من ميشيغان، أول مسلم يشغل مقعداً فيه. كأن الحزب أغلق الباب في وجه صاحب البذرة، ثم فوجئ بأغصانها تتجاوز أسواره. لم يُتوَّج ساندرز مرشحاً للرئاسة، لكن أبناء مدرسته انتقلوا من هوامش الحزب إلى مواقعه المنتخبة؛ وما بدا يوماً تمرداً صار أحد مصادر تجديده. لكن في تكساس انتصر جيمس تالاريكو بخطاب إيماني تقدمي قريب من الوسط، وفي كنساس فاز آدم هاميلتون برسالة اعتدال؛ ما يعني أن الحزب لم ينتصر لأنه أصبح يسارياً كله، بل لأنه اتسع لاختلاف ناخبيه، وفتح للعدالة الاقتصادية أكثر من لسان ولهجة.
عامان أمام الديمقراطيين ليعيدوا ترتيب البيت: رقابة لا تتحول إلى انتقام، ومبادئ لا تتنكر للمعيشة، ومرونة لا تصبح استسلاماً. وعليهم فهم هزيمة 2024 بوصفها رسالة إليهم، لا خطأ ارتكبه الناخب. فإن أحسنوا استثمار الفرصة، أمكن أن تكون 2028 تتويجاً لتحالف أوسع لا لموجة غضب عابرة؛ وإن عادوا إلى نخبوية الأمس، سيكفي الجمهوريين مرشح أقدر على الإصغاء.
فأمريكا لم تمنح الديمقراطيين تاجاً، بل مرآة؛ فيها صورة الخصم الذي هزموه، وصورتهم التي طالما تهرّبوا من مواجهتها. ومن لا يجرؤ على النظر في مرآته، لن يستطيع قيادة أمة تبحث عن وجه جديد لمستقبلها. لقد انتصر الديمقراطيون على خصمهم في نوفمبر/تشرين الثاني؛ أما النصر الذي قد يصنع رئيساً في 2028، ففي معركة لا جمهور يصفق لها ولا خصم يتحمل خسارتها عنهم: أن ينتصر الديمقراطيون على أنفسهم.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة