قانون العدالة ضد الإرهاب «جاستا»، الذي صوّت عليه مجلس الشيوخ الأمريكي ومجلس النواب بالإجماع، والذي يسمح لأهالي ضحايا هجمات 11 سبتمبر الإرهابية سنة 2001 بمقاضاة المملكة العربية السعودية ومسؤوليها.
التصويت جعل هذا القانون سارياً، رغم ما كتب ونعرف عن هذا القانون الذي يضرب بالقوانين والأنظمة والأعراف الدولية عرض الحائط، ويقوّض الكثير من الأسس التي قامت عليها منظمة الأمم المتحدة، ويتنصّل من جميع التشريعات الدبلوماسية التي تنظّم العلاقات بين الدول، والذي يؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تنظر إلا بعين شوهاء، وقلب لا يفسّر الأمور إلا بمنطق المصلحة الشخصية، ولا يقيم لكيان الدول والشعوب أية قيمة، ويرى أمريكا فوق الجميع، وأن بمقدورها سن القوانين ولو خالفت كل القوانين العالمية المنظّمة للعلاقات الدولية، فهي أمريكا سيدة العالم كما ترى نفسها، وتجيز لذاتها ما تخالف العالم عليه.
لو عدنا إلى القانون وما أصدرته إحدى المحاكم الأمريكية في شهر مارس الماضي، في القضية رقم 3229 والتي تدين فيها إيران و«حزب الله» بالتورط في تدبير هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، وحكم القاضي بتغريم إيران 10.5 مليار دولار، على أقل تقدير، مع إمكانية ارتفاع التعويضات إلى ما يصل إلى 21 مليار دولار، وهو ما يفوق أرصدة إيران المجمّدة لدى أمريكا، مع العلم أن إدانة إيران و«حزب الله» في تدبير تلك الأعمال الإرهابية تمت عبر وثائق ومستندات تم البحث والتحري حول صدقيتها لعدة سنوات. وعدنا أيضاً إلى إعلان البيت الأبيض في 15 يوليو الماضي، تبرئة السعودية من مسؤولية هجمات 11 سبتمبر، وفقاً لما أوردته وثائق التحقيقات السرية الرسمية التي قامت بها هيئات حكومية أمريكية، من بينها المخابرات المركزية، ومكتب التحقيقات الاتحادي؛ نكتشف حجم «القذارة» في تحوّل بوصلة الاتهامات الأمريكية، بقدرة قادر، تجاه السعودية في لعبة تآمرية مكشوفة ومدبّرة.
ومن جهة أخرى ، أي تبرير يمكن أن تقدّمه أمريكا حيال ما قامت به من أعمال إرهاب وإبادة في الكثير من الدول، سواء في فيتنام أو اليابان وأفغانستان، أو غيرها من الدول. فهل يمكن لبرلمانات تلك الدول أن تصدر أيضاً قوانين وأنظمة تجيز محاكمة ومقاضاة الولايات المتحدة الأمريكية، لما ارتكبته من مجازر فيها؟ أو أنها فوق القانون وما يجوز لها لا يجوز لغيرها؟ ونتساءل هل يجيز قانون «جاستا» لأبناء الشعب الأمريكي الذين فقدوا أبناءهم أثناء حرب العراق، مقاضاة حكومتهم التي غرّرت بهم وزجّت بجيشهم في أتون تلك الحرب، مع اعترافها مؤخراً بأنها قامت بغزو العراق وحربه دون مسوّغ قانوني، وعبر تقارير مفبركة ومزوّرة حول امتلاكه أسلحة الدمار الشامل؟
نتساءل ما الذي تريده أمريكا بتجاوز جميع القوانين الدولية، والإخلال بكل التحالفات وعض يد الصديق؟ هل هو هوان العرب؟ أو أن سيدة الديمقراطية العالمية كما تدّعي لا ترى إلا من خلال منظور خاص يسمح لها بما تشاء؟ ونتساءل أيضاً عن الدور المشبوه لمنظمة الأمم المتحدة راعية القانون الدولي، وصمتها المريب حول ما يحدث من انتهاك لقوانينها، أم أنها هي الأخرى خاضعة للقانون الأمريكي؟
ما حدث ويحدث يدعونا نحن العرب بالذات وبقوة لليقظة، والتكاتف والتعامل مع الأمور بشكل أكثر جدية وحزماً، ومن منطلق مصالحنا أيضاً وإلا سيجرفنا سيل المصالح الأمريكية.
إبراهيم الهاشمي