الشارقة: أوميد عبدالكريم إبراهيم
ما زال الغموض مستمراً منذ قرون عديدة، وإلى يومنا هذا؛ حول حقيقة وجود شخصية «أرطغرل»، التي يتغنى بها الأتراك، ويتخذونها قدوةً لهم، ويُرجعون إليها حسبهم ونسبهم؛ كما يغدقون عليها عبارات المديح، وينسبون إليها صفات الرجولة والفروسية والقيادة، وكلَّ خِصلةٍ حميدة؛ إذ إن الكثير من المؤرخين، وكذلك المصادر التاريخية؛ تشكك في وجودها.
هذه الشخصية التي يصفها كثيرون بـ«الأسطورية»؛ غيرُ مذكورة في أهم المخطوطات الإسلامية والبيزنطية التي أعقبت بقليلٍ الحقبةَ التي يقول الأتراك إن «أرطغرل» عاش فيها، وهي بين عامي 1191–1281؛ يضاف إلى ذلك أن غالبية الوثائق العثمانية نفسها أُحرقت خلال إغارة المغول على منطقة الأناضول في عهد «تيمورلنك».
رواية عثمانية
تقول الرواية العثمانية/التركية؛ إن «أرطغرل ينحدر من قبيلة (قايي) إحدى قبائل الأوغوز التركمانية المهاجرة من شرق إيران، واستقرت في الأناضول هرباً من الغزو المغولي، وإنه والدُ (عثمان) مؤسس الدولة العثمانية»، وتضيف الرواية ذاتها أن «دخول أرطغرل في خدمة السلاجقة الروم (وهي سلطنة ظهرت في القرون الوسطى، وحكمت منطقة امتدت من وسط الأناضول إلى البحر الأبيض المتوسط لنحو 200 سنة)؛ كان من شأنه تعيينهُ والياً على منطقة (سكود) المحاذية للحدود مع الإمبراطورية البيزنطية آنذاك»؛ إلا أن هذه الرواية لا تتوفر في أيِّ مصادر تاريخية أخرى.
ترويج تركي
لم يتوقف ترويج الأتراك لهذه الشخصية عند هذا الحد؛ فقد أنتجت تركيا مسلسلاً تلفزيونياً ضخماً بعنوان «قيامة أرطغرل» استمر لخمسة مواسم على مدى 150 حلقة؛ وصرفت عليه أموالاً طائلة؛ إذ دبلجته إلى 25 لغة؛ أهمها الإنجليزية والعربية.
وتدور أحداث المسلسل حول وقائع تاريخية عامة من وجهة نظر تركية بحتة؛ لاسيما في ما يتعلق بقبيلة (قايي) التي يُنسب إليها «أرطغرل»؛ إلا أن غالبية الأحداث كانت من وحي خيال كاتب ومنتج المسلسل «محمد بوزداغ»، وتدور أحداثه في الفترة التي سبقت قيام الدولة العثمانية، ويُساوي هذا المسلسل بين «أرطغرل» من جهة، وبين كبار العظماء الذين خلَّدهم التاريخ من جهة أخرى.
غياب الأدلة التاريخية
السجلات العثمانية الأولى التي تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي ذكرت بعض التفاصيل المكتوبة عن حياة «أرطغرل»؛ إلا أن الكثير من المؤرخين يعتبرونها «أسطورية» إلى حد كبير؛ خصوصاً إذا علمنا أن اثنين من أهم المؤرخين في التاريخ، وهما ابن بطوطة 1304-1377، والإمبراطور والمؤرخ البيزنطي يوحنا السادس قانتاقوزن 1347-1354؛ لم يذكراه في مخطوطاتهما ووثائقهما، وبالتالي لا توجد أي مصادر إسلامية أو بيزنطية معاصرة لتلك الفترة؛ أو أعقبتها بقليل؛ تتحدث عن هذه الشخصية.
بعد أن أغارَ المغول على منطقة الأناضول عام 1402؛ أحرق قائدهم «تيمورلنك» معظم الوثائق العثمانية، وهذا سبب آخر لشحِّ الوثائق الرسمية التي تدعم الرواية التركية المتعلقة بوجود هذه الشخصية من عدمه، والمتعلقة بالفترة الممتدة من نشأة الدولة العثمانية وحتى تاريخ إغارة المغول على المنطقة، وبالتالي يظل السؤال المطروح في هذا السياق هو: هل شخصية «أرطغرل» حقيقية؛ أم أنها وهمٌ، ونسجٌ من وحي الخيال؟.